أخبار: حقبة إعادة التسلح: الإنفاق العسكري العالمي يسجل مستويات قياسية في 2026

في تحول دراماتيكي يعكس حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي وتصاعد وتيرة التوترات الدولية، كشف تقرير "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" (SIPRI) الصادر في أبريل 2026 عن وصول الإنفاق العسكري العالمي إلى مستويات غير مسبوقة. حيث بلغت فاتورة التسلح العالمية 2.887 تريليون دولار خلال عام 2025، مسجلةً بذلك العام الحادي عشر على التوالي من النمو المتواصل، وهو ما يعيد تشكيل خارطة التحالفات الدفاعية العالمية ويدفع الدول نحو سباق تسلح جديد يعيد للأذهان حقب التنافس الاستراتيجي الكبرى.

تشير البيانات الصادرة عن SIPRI إلى أن الإنفاق العسكري لم يعد مجرد استجابة لضرورات طارئة، بل أصبح هيكلاً دائماً في ميزانيات الدول الكبرى. فقد ارتفع "العبء العسكري" العالمي (نسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي) ليصل إلى 2.5%، وهو أعلى مستوى مسجل منذ عام 2009. وعلى الرغم من أن معدل النمو السنوي بنسبة 2.9% قد يبدو معتدلاً مقارنة بالقفزات السابقة، إلا أن هذا التباطؤ الظاهري يخفي خلفه ديناميكيات معقدة، حيث كان الانخفاض في الإنفاق العسكري الأمريكي (الذي تراجع بنسبة 7.5% ليصل إلى 954 مليار دولار بسبب غياب مخصصات إضافية لأوكرانيا) هو العامل الوحيد الذي حال دون تسجيل قفزة قياسية أكثر حدة في الإجمالي العالمي.

في المقابل، شهدت القارة الأوروبية موجة تسلح غير مسبوقة، حيث قفز الإنفاق الدفاعي بنسبة 14% ليصل إلى 864 مليار دولار، في أسرع وتيرة نمو سنوي منذ عام 1953، مدفوعاً بجهود دول الناتو (NATO) لتعزيز الدفاع الجماعي والقدرات الذاتية. تجاوزت ألمانيا عتبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي لأول مرة منذ عام 1990، حيث ارتفع الإنفاق بنسبة 24% ليصل إلى 114 مليار دولار؛ وتعهدت برلين منذ ذلك الحين بالوصول إلى 3.5% بحلول عام 2029. وقفزت الميزانية العسكرية لإسبانيا بنسبة 50% لتصل إلى 40.2 مليار دولار، متجاوزة أيضاً 2% من الناتج المحلي الإجمالي لأول مرة منذ عام 1994، بينما أنفقت بولندا 4.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع - وهو أعلى عبء بين جميع أعضاء الناتو.

أما في منطقة آسيا وأوقيانوسيا، فقد سجل الإنفاق ارتفاعاً بنسبة 8.1% ليصل إلى 681 مليار دولار، وهو الارتفاع الأكبر منذ عام 2009، مدفوعاً بتصاعد وتيرة التحديث العسكري الصيني الذي وصل إلى 336 مليار دولار، والتنافس الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

تتركز القوة المالية العسكرية بشكل كثيف؛ حيث استحوذت الدول الخمس الكبرى -الولايات المتحدة، الصين، روسيا، ألمانيا، والهند- على ما نسبته 58% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي.

- الولايات المتحدة: رغم التراجع المسجل، تظل القوة الضاربة الأولى عالمياً بميزانية تقترب من تريليون دولار، مع توقعات بزيادات حادة في عامي 2026 و2027 استجابة للضغوط التشغيلية في ساحات الصراع العالمية.

- الصين: تواصل تحديث ترسانتها ضمن خطط استراتيجية طويلة الأمد، محققةً زيادة للعام الحادي والثلاثين على التوالي، مما يرسخ مكانتها كقوة عسكرية عالمية ذات قدرات تقنية متقدمة.

- روسيا وألمانيا: تعكس الأرقام الروسية ضغط الحرب المستمرة على الميزانية العامة، في حين تعكس الأرقام الألمانية (التي قفزت إلى 114 مليار دولار) تغيراً جذرياً في العقيدة الدفاعية لبرلين، لتصبح القوة العسكرية الأكبر في أوروبا الغربية.

- الهند: بإنفاق وصل إلى 92.1 مليار دولار، تبرز الهند كلاعب محوري في جنوب آسيا، مدفوعة بتوترات إقليمية مزمنة وحاجة ملحة لتطوير أنظمة دفاع جوي وصاروخي متطورة.

إن هذا الارتفاع القياسي في الإنفاق العسكري ليس مجرد أرقام محاسبية؛ بل هو انعكاس لـ"معضلة الأمن" التي تسيطر على النظام الدولي. إن قيام الدول بزيادة ميزانياتها الدفاعية يدفع الخصوم والمنافسين للقيام بالخطوة ذاتها، مما يخلق حلقة مفرغة من التسلح.

من الناحية الاستراتيجية، نلاحظ تحولاً في هيكل الطلب الدفاعي. فبدلاً من التركيز حصرياً على المنصات الكبيرة (مثل حاملات الطائرات أو المقاتلات الاستراتيجية)، تتوجه الميزانيات الآن نحو "التقنيات التمكينية": الطائرات بدون طيار (UAVs)، أنظمة الدفاع الجوي الموزعة، والقدرات السيبرانية. إن هذا التوجه يشير إلى أن الحروب المستقبلية، كما أثبتت النزاعات الجارية في أوكرانيا والشرق الأوسط، ستعتمد بشكل أكبر على الكثافة النيرانية، الاستنزاف المادي، والقدرة على الإنتاج السريع للذخائر.

هذا التحول الاستراتيجي يضع ضغوطاً هائلة على القاعدة الصناعية الدفاعية. فالمصنعون العالميون مثل Lockheed Martin، Rheinmetall، و BAE Systems، يواجهون تحديات في رفع طاقتهم الإنتاجية لتلبية الطلب المتزايد، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتمديد فترات التسليم. إن القدرة على تحويل الميزانيات إلى أسلحة جاهزة للقتال في الميدان أصبحت المعيار الجديد للكفاءة العسكرية.

تشير التقارير والاتجاهات الحالية إلى أن عام 2026 قد يشهد تجاوزاً للأرقام المسجلة في 2025. إن استمرار الأزمات الجيوسياسية، والحاجة لتجديد المخزونات العسكرية التي استُنزفت في صراعات السنوات الأخيرة، تضمن بقاء الإنفاق العسكري عند مستويات مرتفعة. إن العالم يدخل مرحلة من "التنافس العسكري الممتد"، حيث أصبحت القدرات الدفاعية هي العملة الصعبة في السياسة الدولية، ولا يبدو في الأفق أي مؤشر على انحسار هذا التوجه، مما يفرض على صُنّاع القرار العسكريين إعادة تقييم استراتيجياتهم الدفاعية لضمان التفوق في عالم باتت فيه القوة العسكرية هي الضمانة الأولى للأمن القومي.