في خطوة تمثل تحولاً مهماً في مسار تحديث القوات البرية السويسرية، أعلنت الحكومة السويسرية منح شركة KNDS عقداً لتوريد 32 منظومة مدفعية ذاتية الحركة من طراز Artillery Gun Module (AGM) المبنية على منظومة RCH 155 الألمانية المتطورة، وذلك ضمن برنامج شامل يهدف إلى استبدال أسطول مدافع M109 الذي ظل يشكل العمود الفقري لسلاح المدفعية السويسري منذ ستينيات القرن الماضي. ويعكس القرار السويسري اتجاهاً متزايداً داخل الجيوش الأوروبية نحو تبني أنظمة المدفعية المؤتمتة عالية الحركة والقادرة على البقاء في بيئات القتال الحديثة التي أصبحت فيها المدفعية هدفاً رئيسياً لعمليات الاستطلاع والاستهداف السريع.
وجاء اختيار المنظومة بعد منافسة امتدت لأشهر بين عدد من الحلول الغربية الحديثة، حيث تفوقت منظومة AGM القائمة على RCH 155 على نظام Archer السويدي الذي كان المنافس الرئيسي في البرنامج. وكانت السلطات السويسرية قد أعلنت في أواخر عام 2024 اختيار RCH 155 كحل مفضل لتحديث المدفعية الميدانية، قبل الانتقال إلى مرحلة التعاقد النهائي التي أفضت إلى الطلب الحالي المكون من 32 منظومة. ويؤكد هذا القرار ثقة متزايدة في التكنولوجيا الألمانية التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أكثر المنتجات المطلوبة في سوق المدفعية العالمي.
وتعد منظومة RCH 155 من أكثر أنظمة المدفعية تطوراً على مستوى العالم، إذ تجمع بين المدفع الشهير عيار 155 ملم وسبطانة بطول 52 عياراً المستخدمة في منظومة PzH 2000 وبين برج قتالي مؤتمت بالكامل يتم التحكم فيه عن بعد. وتستند المنظومة في نسختها التقليدية إلى هيكل مدرع مدولب عالي الحركة، بينما تعتمد النسخة السويسرية AGM على وحدة المدفعية المستقلة التي يمكن دمجها مع منصات مختلفة بحسب متطلبات المستخدم.
ويكمن العنصر الأكثر تميزاً في هذه المنظومة في مستوى الأتمتة غير المسبوق الذي توفره. فبعكس المدافع الذاتية التقليدية التي تحتاج إلى طاقم كبير نسبياً لتشغيلها وإعادة تلقيمها وإدارة النيران، تستطيع AGM تنفيذ معظم العمليات بصورة آلية بالكامل. ونتيجة لذلك ينخفض عدد أفراد الطاقم إلى فردين فقط هما السائق والمشغل أو القائد، مع إمكانية إضافة فرد ثالث عند الحاجة. ويؤدي ذلك إلى تقليل العبء البشري وتخفيض متطلبات التدريب والدعم اللوجستي، فضلاً عن تقليل المخاطر التي يتعرض لها الطاقم أثناء العمليات القتالية.
ومن أبرز الخصائص التي جذبت اهتمام العسكريين حول العالم قدرة المنظومة على تنفيذ مهام الرماية أثناء الحركة، وهي ميزة لا تزال نادرة للغاية في قطاع المدفعية العالمية. فبينما تتطلب معظم الأنظمة التوقف الكامل قبل فتح النار، تستطيع RCH 155 تنفيذ الرماية خلال الحركة أو التوقف لفترات قصيرة جداً، ما يقلل بصورة كبيرة من احتمالات تعرضها لنيران المدفعية المضادة أو الطائرات المسيّرة المعادية. وتكتسب هذه الميزة أهمية استثنائية في ضوء الدروس المستخلصة من الحرب الأوكرانية، حيث أصبحت القدرة على تنفيذ تكتيكات "اضرب وتحرك" عاملاً حاسماً في بقاء وحدات المدفعية على قيد الحياة.
ويأتي التعاقد السويسري في وقت تشهد فيه أوروبا عملية إعادة بناء واسعة لقدراتها العسكرية نتيجة التغيرات الأمنية التي شهدتها القارة خلال السنوات الأخيرة. فقد دفعت الحرب الروسية الأوكرانية العديد من الدول الأوروبية إلى مراجعة خططها الدفاعية وتسريع برامج التحديث المؤجلة، وخاصة في مجالات المدفعية بعيدة المدى والذخائر الدقيقة والدفاع الجوي. وفي هذا السياق، أصبحت المدفعية الحديثة إحدى أكثر القطاعات التي تشهد استثمارات متزايدة نظراً للدور الحاسم الذي أثبتته في المعارك واسعة النطاق.
ومن الناحية العملياتية، ستمنح المنظومات الجديدة الجيش السويسري قدرة أعلى على تنفيذ الضربات الدقيقة بعيدة المدى مع تقليل زمن الاستجابة بين اكتشاف الهدف وإطلاق النار. كما ستوفر مستويات أعلى من المرونة التكتيكية مقارنة بمدافع M109 التي تعود جذورها إلى حقبة الحرب الباردة. فعلى الرغم من عمليات التحديث التي خضعت لها تلك المدافع على مدار العقود الماضية، فإن بنيتها الأساسية لم تعد قادرة على مجاراة المتطلبات الحديثة المتعلقة بالسرعة والأتمتة والاتصال الشبكي.
كما يعكس العقد استمرار الصعود القوي لشركة KNDS في سوق المدفعية العالمي. فخلال فترة قصيرة نسبياً نجحت RCH 155 في جذب اهتمام عدد متزايد من الدول، حيث حصلت المنظومة على طلبات من ألمانيا والمملكة المتحدة وقطر وأوكرانيا، قبل انضمام سويسرا إلى قائمة المستخدمين. ويؤكد هذا الانتشار المتسارع أن السوق العالمية تتجه بصورة واضحة نحو المدفعية المؤتمتة والمدولبة القادرة على تحقيق مزيج من الحركة العالية وقوة النيران الكبيرة.
يحمل العقد دلالات أوسع تتجاوز حدود سويسرا وحدها. فنجاح RCH 155 يعزز مكانة أوروبا كمركز عالمي لتطوير المدفعية الحديثة في وقت تشتد فيه المنافسة مع الأنظمة الأمريكية والكورية الجنوبية والإسرائيلية. كما يمنح KNDS زخماً إضافياً في جهودها لتوسيع صادراتها الدفاعية خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على أنظمة المدفعية بعد الدروس القاسية التي أفرزتها النزاعات الحديثة.
أما استراتيجياً، فإن القرار السويسري يعكس تحولاً في مفهوم الردع العسكري داخل الدول الأوروبية الصغيرة والمتوسطة. فبدلاً من التركيز فقط على الأعداد الكبيرة من المنصات القتالية، تتجه هذه الدول نحو امتلاك أنظمة أقل عدداً لكنها أكثر تطوراً وقدرة على البقاء والاشتباك بدقة عالية. وتنسجم AGM مع هذا التوجه بفضل قدرتها على تحقيق كثافة نيرانية كبيرة باستخدام أطقم محدودة، مع المحافظة على مستويات عالية من الحركة والمرونة العملياتية.
كما أن اختيار منظومة تعتمد على الأتمتة المكثفة يتماشى مع التحديات الديموغرافية التي تواجه العديد من الجيوش الأوروبية، حيث أصبح توفير الأفراد المؤهلين أكثر صعوبة مقارنة بالعقود السابقة. ولذلك ينظر إلى أنظمة مثل RCH 155 باعتبارها جزءاً من مستقبل القوات البرية الأوروبية، حيث تحل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأتمتة محل جزء متزايد من المهام التي كان يؤديها العنصر البشري سابقاً.
إن تعاقد سويسرا على 32 منظومة AGM المبنية على RCH 155 لا يمثل مجرد صفقة لتحديث سلاح المدفعية، بل يعكس تحولاً أوسع في فلسفة القتال البري الأوروبية. فالجيوش الحديثة أصبحت تبحث عن السرعة والأتمتة والبقاء في ساحة المعركة بقدر بحثها عن قوة النيران نفسها. ومع تزايد انتشار RCH 155 داخل أوروبا وخارجها، تبدو المنظومة مرشحة لأن تصبح إحدى أهم منصات المدفعية الغربية خلال العقد المقبل، وأن تلعب دوراً رئيسياً في رسم ملامح الجيل الجديد من الحروب البرية عالية الكثافة.