أعلنت وزارة الدفاع الفنلندية عن قرار يقضي بمضاعفة أسطولها من المدفعية ذاتية الدفع، عبر التعاقد على توريد شحنات إضافية ضخمة من منظومة K9 Thunder الكورية الجنوبية. تأتي هذه الصفقة في توقيت بالغ الحساسية الجيوسياسية، حيث تسعى فنلندا – العضو الأحدث في حلف شمال الأطلسي (NATO) – إلى إحكام قبضتها النارية على أطول حدود برية للحلف مع روسيا، مما يرسل رسالة واضحة حول طبيعة الجاهزية الدفاعية المستقبلية لهلسنكي.
تتضمن الصفقة الجديدة، الاستحواذ على 112 وحدة إضافية من مدافع الهاوتزر ذاتية الدفع من طراز K9 Thunder (المعروفة في الخدمة الفنلندية باسم K9 Moukari). وبموجب هذا الاتفاق، الذي تم إبرامه مع شركة Hanwha Aerospace الكورية الجنوبية، سيصل إجمالي ما تمتلكه القوات البرية الفنلندية من هذه المنظومة إلى 200 وحدة، مما يجعلها واحدة من أكبر المشغلين لهذه التكنولوجيا المتطورة في أوروبا.
يعود تاريخ التعاون الفنلندي مع شركة Hanwha Aerospace إلى عام 2017، عندما وقعت هلسنكي العقد الأول لشراء 48 مدفعاً، تبعته طلبات إضافية في عامي 2021 و2022. إلا أن الصفقة الأخيرة لعام 2026 تمثل قفزة نوعية غير مسبوقة، ليس فقط من حيث العدد، بل ومن حيث التزام الحكومة الفنلندية بتسريع جدول التسليم لضمان دخول كافة الوحدات الخدمة الفعلية قبل نهاية العقد الحالي. وتتضمن الصفقة أيضاً حزم الدعم اللوجستي، وتوفير قطع الغيار، وبرامج تدريبية متقدمة للأطقم الفنلندية، بالإضافة إلى دمج أنظمة إدارة النيران المحلية لضمان التوافق التام مع معايير NATO.
تُصنف منظومة K9 Thunder عيار 155 ملم / 52 كأحد أكثر أنظمة المدفعية كفاءة وموثوقية في العالم. وتتميز المنظومة بقدرة فائقة على الحركة (Mobility) بفضل محركها القوي بقوة 1000 حصان، مما يسمح لها بالعمل في التضاريس الوعرة والظروف المناخية القاسية التي تميز الغابات والبيئات الثلجية الفنلندية.
من الناحية العملياتية، توفر K9 Thunder مدى رماية يتجاوز 40 كيلومتراً باستخدام قذائف RAP (Rocket Assisted Projectiles)، وتتمتع بخاصية MRSI (Multiple Rounds Simultaneous Impact)، وهي تقنية تتيح للمدفع إطلاق عدة قذائف بمسارات مختلفة لتصل إلى الهدف في آن واحد، مما يضاعف القوة التدميرية ويحقق عنصر المفاجأة. كما أن تدريع المنظومة يوفر حماية للأطقم ضد الشظايا والأعيرة النارية الثقيلة، وهو ما يمنحها بقائية عالية في سيناريوهات الحروب التقليدية عالية الكثافة.
تتجاوز هذه الصفقة كونها مجرد عملية شراء عسكرية روتينية؛ فهي تمثل إعادة صياغة للعقيدة القتالية الفنلندية. فمنذ انضمامها إلى NATO، تحولت فنلندا من سياسة "الحياد المسلح" إلى دور "المدافع الأمامي". إن مضاعفة أسطول K9 Thunder تعني أن هلسنكي تبني "جداراً نارياً" قادراً على تغطية مسافات شاسعة من حدودها التي تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر مع روسيا.
استراتيجياً، تعكس هذه الخطوة إدراك القيادة العسكرية الفنلندية بأن المدفعية لا تزال هي "ملك المعارك" في النزاعات الحديثة، كما أثبتت التجارب الميدانية الأخيرة في شرق أوروبا. إن القدرة على نشر مئات المدافع ذاتية الدفع التي تتمتع بخاصية "اضرب واهرب" (Shoot-and-Scoot) تمنح القوات الفنلندية مرونة تكتيكية لمواجهة أي تفوق عددي محتمل، حيث يمكن للمنظومات إطلاق نيرانها والتحرك من موقعها في غضون ثوانٍ لتجنب الرصد المضاد للمدفعية.
علاوة على ذلك، تعزز هذه الصفقة مبدأ "العمل المشترك" (Interoperability) داخل حلف شمال الأطلسي. فمع اعتماد دول مثل بولندا، والنرويج، وإستونيا لمنظومة K9 Thunder، يتم خلق بيئة لوجستية موحدة في شمال وشرق أوروبا، مما يسهل عمليات الصيانة المشتركة وتبادل الذخائر وتنسيق الخطط الدفاعية الجماعية تحت مظلة NATO.
تمثل هذه الصفقة انتصاراً تجارياً واستراتيجياً للصناعات الدفاعية الكورية الجنوبية، وتحديداً لشركة Hanwha Aerospace. لقد نجحت سيئول في ترسيخ مكانتها كمورد مفضل لدول "خط المواجهة" في أوروبا، متفوقة على منافسين تقليديين من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
إن قدرة الكوريين على تقديم تكنولوجيا متطورة بأسعار تنافسية وجداول تسليم زمنية سريعة (وهي المعضلة التي تعاني منها المصانع الأوروبية حالياً) جعلت من طراز K9 Thunder المعيار العالمي الجديد للمدفعية الثقيلة. ويُتوقع أن تؤدي الصفقة الفنلندية إلى تحفيز دول أخرى في الحلف لإعادة تقييم ترساناتها المدفعية، مما قد يؤدي إلى موجة جديدة من العقود لشركة Hanwha Aerospace.
من جانب آخر، فإن ضخامة الطلب الفنلندي (112 وحدة إضافية) سيؤدي إلى توسيع خطوط الإنتاج وسلاسل التوريد المرتبطة بهذه المنظومة، مما يعزز من اقتصاديات الحجم ويقلل التكاليف المستقبلية للتطوير والترقية. هذا التأثير سيمتد ليشمل سوق الذخائر الذكية، حيث ستتجه فنلندا بالضرورة إلى الاستثمار في قذائف موجهة بدقة تتوافق مع قدرات K9 Thunder، مما يفتح آفاقاً لشركات أخرى مثل Raytheon و BAE Systems للدخول في شراكات تكاملية.
إن قرار فنلندا بمضاعفة أسطولها من مدافع K9 Thunder هو تجسيد لسياسة "الردع بالقدرة". فبينما تعيد أوروبا رسم خارطتها الأمنية، تبرز فنلندا كقوة برية ضاربة لا يستهان بها، مجهزة بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الدفاعية الكورية الجنوبية، ومستندة إلى عمق استراتيجي يوفره التحالف الأطلسي. هذه الصفقة لا تحمي حدود فنلندا فحسب، بل تعيد تعريف توازن القوى في منطقة البلطيق والشمال الأوروبي لسنوات طويلة قادمة.