تواصل كوريا الجنوبية توسيع حضورها داخل سوق الصناعات الدفاعية الأوروبية
بوتيرة متسارعة، بعدما كشفت شركة Kia Corporation عن جيل جديد من المركبات
العسكرية التكتيكية ومنصات القيادة والسيطرة خلال مشاركتها الأولى في معرض
BSDA 2026 الدفاعي في رومانيا، في خطوة تعكس الطموح الكوري المتزايد للتحول
إلى أحد أبرز موردي المعدات العسكرية البرية في أوروبا الشرقية ومحيط
البحر الأسود.
وشهد المعرض، الذي أقيم في العاصمة الرومانية بوخارست
بمشاركة نحو 650 شركة دفاعية من 36 دولة، عرض مركبة القيادة العسكرية
الجديدة Tasman Military Command Vehicle إلى جانب النسخة المسلحة من
المركبة التكتيكية الخفيفة Korean Light Tactical Vehicle (KLTV)، وهي
منصات صُممت لتلبية متطلبات الحرب البرية الحديثة التي باتت تعتمد بصورة
متزايدة على الحركة السريعة والمرونة التكتيكية والقدرة على العمل في
البيئات القتالية المعقدة والمشبعة بالاستهداف والاستطلاع.
ويحمل
الظهور الأوروبي الأول لمركبة Tasman دلالات تتجاوز مجرد عرض تقني لمنصة
جديدة، إذ يكشف عن دخول Kia بصورة أكثر جدية إلى سوق المركبات العسكرية
التكتيكية، بعد سنوات من تركيزها على العربات الخفيفة والدعم اللوجستي داخل
الجيش الكوري الجنوبي. كما يعكس اتجاهاً كورياً جنوبياً أوسع يقوم على
استغلال الزخم الذي حققته الصناعات الدفاعية الكورية في أوروبا خلال
السنوات الأخيرة، خاصة بعد النجاح الكبير لمنظومات مثل K9 Thunder وChunmoo
والطائرات التدريبية والمقاتلات الخفيفة الكورية.
وتعتمد مركبة Tasman
العسكرية على منصة شاحنة بيك أب متعددة المهام جرى تطويرها لتتحول إلى
عربة قيادة وسيطرة ميدانية، مع إضافة تجهيزات عسكرية متخصصة تشمل أنظمة
اتصالات ميدانية وتحكم بالإضاءة التكتيكية وتجهيزات تشغيل خاصة بالعمليات
العسكرية. ووفق المعلومات المعلنة، تتمتع المركبة بقدرة حمولة تصل إلى 1.1
طن وقدرة سحب تبلغ 3.5 طن، مع محرك بسعة 2200 سي سي يولد قوة تصل إلى 210
أحصنة عبر ناقل حركة أوتوماتيكي بثماني سرعات.
ورغم أن Tasman تستند
أساساً إلى منصة مركبة مدنية معدلة، فإن Kia تسعى لتقديمها باعتبارها
نموذجاً يجمع بين الكلفة التشغيلية المنخفضة والقدرة على العمل العسكري
التكتيكي، وهو اتجاه أصبح يحظى باهتمام متزايد داخل الجيوش الحديثة، خاصة
في ظل الحاجة إلى منصات خفيفة ومرنة يمكن نشرها بسرعة في البيئات المعقدة
دون الأعباء اللوجستية الضخمة المرتبطة بالعربات المدرعة الثقيلة. كما تشير
التقارير الكورية إلى أن المركبة دخلت بالفعل الخدمة كعربة قيادة قياسية
داخل القوات المسلحة الكورية الجنوبية منذ العام الماضي، ما يمنحها زخماً
إضافياً في أسواق التصدير.
وفي المقابل، حظيت مركبة KLTV باهتمام واسع
خلال المعرض، خاصة مع عرض نسخة مزودة بتسليح صاروخي ومخصصة للعمليات
التكتيكية عالية الحركة. وتعد KLTV واحدة من أبرز المركبات التكتيكية
الكورية الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، بعدما جرى تطويرها لتكون بديلاً
حديثاً للمركبات العسكرية الخفيفة القديمة داخل الجيش الكوري الجنوبي، مع
التركيز على الدمج بين الحركة العالية والحماية والقدرة على العمل في
التضاريس الصعبة.
وتتميز KLTV بقدرات ميدانية لافتة تشمل اجتياز الأنهار
بعمق يصل إلى 760 ملم، والعمل على منحدرات طولية تصل إلى 60% وعرضية تصل
إلى 40%، إلى جانب توفير حماية ضد الرصاص والانفجارات وقدرات تشغيل في
درجات حرارة تصل إلى 32 درجة مئوية تحت الصفر، فضلاً عن حماية ضد النبضات
الكهرومغناطيسية، وهي خصائص تعكس طبيعة التفكير الكوري الجنوبي في تطوير
منصات قادرة على العمل داخل بيئات قتال مرتفعة الكثافة ومعقدة جغرافياً.
ويبدو
أن Kia تراهن بصورة متزايدة على تصاعد الطلب العالمي على المركبات
التكتيكية الخفيفة والمتوسطة، خصوصاً بعد الحرب الروسية الأوكرانية التي
أعادت الاعتبار لمفهوم الحركة السريعة والانتشار المرن والقدرة على
المناورة في ساحات القتال الحديثة. فالحرب كشفت بصورة واضحة أن العربات
الثقيلة التقليدية، رغم قوتها النيرانية والتدريع الكبير، تواجه تحديات
متزايدة أمام الطائرات بدون طيار والذخائر الدقيقة والاستهداف الشبكي
المستمر، ما دفع العديد من الجيوش إلى إعادة التفكير في التوازن بين
الحماية والحركة والمرونة العملياتية.
وفي هذا السياق، تتجه العقائد
العسكرية الحديثة بصورة متزايدة نحو تشكيلات قتالية أخف وأكثر مرونة، تعتمد
على مركبات تكتيكية متعددة المهام قادرة على التحرك بسرعة والعمل ضمن
شبكات قيادة وسيطرة موزعة، بدلاً من الاعتماد الكامل على التشكيلات الثقيلة
التقليدية. ومن هنا تأتي أهمية منصات مثل Tasman وKLTV التي تستهدف تلبية
هذا النوع من المتطلبات العملياتية الجديدة.
كما يحمل التحرك الكوري
الجنوبي أبعاداً جيوسياسية وصناعية أوسع. فسيول لم تعد تكتفي بدور المنتج
الإقليمي للسلاح، بل تسعى بوضوح إلى التحول إلى قوة تصدير دفاعية عالمية
قادرة على منافسة الشركات الأمريكية والأوروبية التقليدية داخل أسواق حساسة
مثل أوروبا الشرقية. وقد ساعدتها الحرب الأوكرانية بصورة كبيرة في ذلك،
بعدما سارعت دول أوروبية عديدة إلى البحث عن بدائل سريعة وفعالة لتعزيز
قدراتها العسكرية، في ظل بطء خطوط الإنتاج الغربية التقليدية وارتفاع الطلب
العالمي على المعدات العسكرية.
ومن الناحية الصناعية، تستفيد كوريا
الجنوبية من نموذج إنتاج يجمع بين الكلفة الأقل نسبياً وسرعة التسليم
والمرونة في نقل التكنولوجيا، وهي عوامل جذبت العديد من الدول الأوروبية
والآسيوية خلال السنوات الأخيرة. كما أن الشركات الكورية أصبحت أكثر جرأة
في الدخول إلى مجالات كانت حكراً تقليدياً على الشركات الغربية، مثل عربات
المشاة القتالية ومنظومات المدفعية الصاروخية والدفاع الجوي والمركبات
التكتيكية.
ويعتقد محللون أن مشاركة Kia في BSDA 2026 ليست مجرد ظهور
دعائي محدود، بل جزء من استراتيجية أوسع تستهدف بناء موطئ قدم طويل الأمد
داخل سوق المركبات العسكرية الأوروبية، خاصة مع تصاعد الإنفاق الدفاعي في
رومانيا وبولندا ودول البلطيق ودول شرق أوروبا عموماً. كما أن التركيز على
منصات خفيفة ومتوسطة يعكس إدراكاً كورياً متزايداً للتحولات الجارية في
طبيعة الحرب البرية الحديثة، والتي أصبحت تعطي أولوية أكبر للمرونة
التكتيكية والعمل الشبكي والحركة السريعة مقارنة بالعقائد التقليدية
الثقيلة.
وفي حال نجحت Kia في تحويل هذا الحضور إلى عقود تصدير فعلية،
فقد يشهد العقد المقبل دخول الشركة الكورية بقوة إلى سوق المركبات العسكرية
التكتيكية العالمية، مستفيدة من الزخم الكبير الذي حققته الصناعات
الدفاعية الكورية الجنوبية في السنوات الأخيرة، ومن التغيرات العميقة التي
تشهدها الجيوش الحديثة في فلسفة الحركة والانتشار والقتال البري.