أعلنت شركة Saab السويدية للصناعات الدفاعية حصولها على عقد جديد من وزارة الحرب الليتوانية لتوريد منظومات Carl-Gustaf M4 متعددة المهام، إضافة إلى معدات تدريب متقدمة، ضمن صفقة تبلغ قيمتها نحو 460 مليون كرونة سويدية، أي ما يعادل قرابة 49 مليون دولار أمريكي. وتأتي الصفقة في إطار اتفاقية تعاون طويلة الأمد تمتد لعشر سنوات بين الجانبين، مع خيارات إضافية قد ترفع القيمة الإجمالية للعقد إلى نحو 640 مليون كرونة سويدية.
ويعكس هذا التعاقد استمرار ليتوانيا في تسريع برامج تحديث قواتها البرية وتعزيز قدراتها المضادة للدروع، في ظل التوترات الأمنية المتصاعدة على الجبهة الشرقية لحلف الناتو، خاصة بعد التحولات الجيوسياسية التي شهدتها منطقة البلطيق منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وتزايد المخاوف من احتمالات توسع نطاق المواجهة شرق أوروبا.
وبحسب التفاصيل المعلنة، يشمل العقد توريد عدد غير معلن من منظومات Carl-Gustaf M4، إلى جانب أنظمة تدريب ميداني وذخائر تدريبية خاصة، فضلاً عن وحدات Carl-Gustaf Outdoor Trainer التي تسمح للقوات بتنفيذ تدريبات واقعية تحاكي بيئات القتال الحديثة مع تقليل استهلاك الذخائر الحية وتكاليف التدريب العملياتي. ومن المقرر أن تبدأ عمليات التسليم خلال الفترة الممتدة بين عامي 2026 و2029.
الصفقة الجديدة لا تمثل مجرد شراء دفعة إضافية من الأسلحة الفردية المضادة للدروع، بل تأتي ضمن إطار أوسع لإعادة هيكلة عقيدة القتال الليتوانية، والتي باتت تعتمد بصورة متزايدة على تعزيز مرونة وحدات المشاة الخفيفة ورفع قدرتها على التعامل مع التهديدات المدرعة ضمن بيئات الحرب الحديثة.
وكانت ليتوانيا قد انضمت عام 2022 إلى الاتفاقية الإطارية الخاصة بمنظومات Carl-Gustaf M4، والتي تجمع السويد ودول البلطيق الثلاث ضمن منظومة تسليح موحدة تسمح بإجراء طلبات شراء مستقبلية للمنظومة وذخائرها حتى عام 2033.
كما سبق لوزارة الدفاع الليتوانية أن وقعت عدة عقود سابقة مع Saab خلال الأعوام الماضية، شملت شراء ذخائر لمنظومات Carl-Gustaf وتوريد نسخ M4 الحديثة، إضافة إلى حزم دعم لوجستي وصيانة وقطع غيار. وفي نهاية عام 2024، وقعت فيلنيوس عقداً جديداً بقيمة 14 مليون يورو لتزويد قواتها بدفعات إضافية من النسخة M4 RD، قبل أن تبدأ عمليات التسليم فعلياً خلال عام 2025.
ويشير هذا التسلسل التعاقدي إلى أن ليتوانيا تتبنى استراتيجية تراكمية لبناء مخزون كبير ومستدام من الأسلحة المضادة للدروع المحمولة، بالتوازي مع توسيع قدرات التدريب والتشغيل التكتيكي داخل وحدات المشاة التابعة لها.
تُعد منظومة Carl-Gustaf M4 واحدة من أشهر الأسلحة المحمولة المضادة للدروع والتحصينات على مستوى العالم، وقد نجحت Saab في تحويلها خلال العقد الأخير إلى منصة متعددة المهام قادرة على التعامل مع طيف واسع من الأهداف القتالية.
النسخة M4، التي كُشف عنها لأول مرة عام 2014، تمثل الجيل الأحدث من العائلة الشهيرة Carl-Gustaf، وتم تصميمها لتوفير قدرة نارية مرتفعة مع تقليل الوزن والحجم مقارنة بالإصدارات السابقة. ويبلغ وزن المنظومة أقل من 7 كيلوجرامات، بينما لا يتجاوز طولها متراً واحداً تقريباً، ما يمنح قوات المشاة قدرة عالية على الحركة والمناورة في البيئات الحضرية والوعرة.
وتتميز المنظومة بقدرتها على إطلاق مجموعة واسعة من الذخائر، تشمل قذائف HEAT الخارقة للدروع، وذخائر HEDP ثنائية الغرض ضد التحصينات والمركبات، إضافة إلى ذخائر Airburst القادرة على استهداف تجمعات المشاة والأهداف المختبئة خلف الغطاء.
كما أدخلت Saab تحسينات رقمية واسعة على النسخة M4، تضمنت واجهات إلكترونية متطورة، وإمكانية دمج أنظمة التسديد الذكية، وتقنيات البرمجة المسبقة للذخائر، بما يسمح بزيادة الدقة وتقليل زمن الاشتباك في ساحة المعركة.
ويحظى النظام اليوم بانتشار واسع داخل جيوش الناتو، بما في ذلك الولايات المتحدة، وبريطانيا، والسويد، وبولندا، إضافة إلى العديد من القوات الخاصة ووحدات العمليات البرية حول العالم.
تأتي الصفقة الجديدة في وقت تشهد فيه دول البلطيق عملية إعادة تسليح غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، مدفوعة بتصاعد المخاوف من التهديدات الروسية، خصوصاً مع استمرار النشاط العسكري الروسي قرب حدود ليتوانيا وبولندا ومنطقة كالينينغراد الروسية شديدة التسليح.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، رفعت ليتوانيا إنفاقها الدفاعي بصورة كبيرة، مع التركيز على أنظمة الدفاع الجوي، والأسلحة المضادة للدروع، وعربات المشاة القتالية، وقدرات الاستطلاع والطائرات المسيّرة، في إطار خطة تهدف إلى رفع الجاهزية القتالية للقوات المسلحة وتحويل البلاد إلى نقطة ارتكاز متقدمة لقوات الناتو في شرق أوروبا.
كما تعكس هذه الصفقة إدراكاً متزايداً لدى جيوش أوروبا الشرقية لأهمية الأسلحة المحمولة المرنة منخفضة الكلفة نسبياً، بعد الدروس المستخلصة من الحرب الأوكرانية، حيث أثبتت الأسلحة المضادة للدروع المحمولة فعاليتها الكبيرة في استنزاف التشكيلات المدرعة الثقيلة وعرقلة عمليات الاختراق البري. وفي هذا السياق، أصبحت منظومات مثل Carl-Gustaf M4 وFGM-148 Javelin وAT4 جزءاً محورياً من عقيدة الردع البرية لدول الجبهة الشرقية للناتو.
من الناحية الصناعية، تمثل الصفقة دفعة جديدة لشركة Saab التي تواصل توسيع نفوذها داخل سوق التسليح الأوروبي مستفيدة من الطفرة الحالية في الإنفاق الدفاعي داخل القارة.
ولا تقتصر أهمية العقد على قيمته المالية فقط، بل تمتد إلى كونه جزءاً من اتفاقية ممتدة لعشر سنوات، ما يضمن للشركة تدفقات تعاقدية مستقرة وفرصاً مستقبلية لبيع الذخائر والتحديثات وأنظمة التدريب والصيانة.
كما أن تضمين التعاون مع الصناعات الدفاعية الليتوانية داخل الاتفاقية يعكس توجهاً أوروبياً متنامياً نحو ربط صفقات السلاح ببرامج نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي، بما يعزز قدرة الدول الأوروبية الصغيرة على بناء قواعد صناعية دفاعية مرتبطة بالشركات الكبرى.
ويبدو أن Saab باتت تستفيد بصورة مباشرة من التحول الأوروبي بعيداً عن الاعتماد الكامل على الصناعات الدفاعية الأمريكية، خاصة في قطاعات الأسلحة البرية الخفيفة والمتوسطة، حيث نجحت الشركة خلال السنوات الأخيرة في تعزيز صادراتها من منظومات Carl-Gustaf وAT4 وNLAW إلى عدد متزايد من الدول الأوروبية والحليفة.
وفي ضوء استمرار التوترات الأمنية شرق أوروبا، فمن المرجح أن يشهد سوق الأسلحة المحمولة المضادة للدروع مزيداً من النمو خلال السنوات المقبلة، مع استمرار دول الناتو في بناء مخزونات ضخمة من هذه الأنظمة استعداداً لأي سيناريوهات مواجهة واسعة النطاق على الحدود الشرقية للحلف.