أخبار: ماليزيا تتجه لاقتناء مدافع CAESAR الفرنسية وتجميعها محليًا

أعلنت ماليزيا اختيار منظومة المدفعية ذاتية الحركة CAESAR 155mm التي تطورها شركة KNDS France لتكون المدفعية الرئيسية الجديدة للجيش الماليزي. وتمثل الصفقة واحدة من أبرز برامج التحديث العسكري الماليزية خلال السنوات الأخيرة، كما تعكس استمرار نجاح مدفع CAESAR في تحقيق اختراقات متتالية داخل الأسواق الدولية بفضل سجله العملياتي المتميز وقدرته على الجمع بين القوة النارية العالية والحركية الاستراتيجية والتكلفة التشغيلية المقبولة.

وجرى الإعلان عن القرار خلال معرض يوروساتوري 2026 للدفاع في باريس، حيث أكدت KNDS France اختيار منظومتها ضمن برنامج ماليزي يهدف إلى تعزيز قدرات المدفعية الميدانية للقوات البرية. ورغم عدم الكشف رسمياً عن عدد المدافع أو القيمة المالية النهائية للعقد، فإن الخطوة تمثل بداية مرحلة جديدة في تحديث سلاح المدفعية الماليزي الذي يعتمد حالياً على مزيج من المدافع المقطورة والأنظمة الأقدم ذات القدرات المحدودة مقارنة بالمعايير الحديثة.

ويعد CAESAR من أكثر أنظمة المدفعية ذاتية الحركة نجاحاً خلال العقدين الماضيين. فالمنظومة تعتمد على مدفع عيار 155 ملم بطول سبطانة 52 عياراً مركب على شاحنة تكتيكية عالية الحركة، ما يوفر قدرة على تنفيذ الرمي السريع ثم مغادرة الموقع خلال دقائق معدودة لتجنب نيران المدفعية المضادة. وقد أصبحت هذه الخاصية من أهم المتطلبات في ساحات القتال الحديثة، خاصة بعد أن أثبتت الحرب الأوكرانية أن بقاء المدفعية في مواقع ثابتة لفترات طويلة يزيد بشكل كبير من احتمالات اكتشافها واستهدافها.

وتمنح المنظومة الجيش الماليزي قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة على مسافات تتجاوز 40 كيلومتراً باستخدام الذخائر التقليدية، مع إمكانية الوصول إلى مديات أبعد عند استخدام الذخائر المحسنة أو الموجهة. كما يتميز النظام بسرعة الانتشار والقدرة على العمل في بيئات تشغيلية متنوعة، وهو عامل مهم بالنسبة لماليزيا التي تتطلب طبيعتها الجغرافية وقدراتها الدفاعية أنظمة تتمتع بدرجة عالية من المرونة والحركة.

ويأتي اختيار CAESAR في وقت تشهد فيه منطقة جنوب شرق آسيا سباقاً متزايداً لتحديث القوات البرية. فمع تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد أهمية الردع التقليدي، بدأت العديد من دول المنطقة الاستثمار بصورة أكبر في المدفعية بعيدة المدى وأنظمة الضربات الدقيقة. وتدرك كوالالمبور أن امتلاك قدرات مدفعية حديثة يمثل عنصراً أساسياً في تعزيز قدرة القوات البرية على دعم العمليات المشتركة وحماية المصالح الوطنية.

ومن الناحية العملياتية، يوفر CAESAR مجموعة من المزايا التي جعلته يحظى بإقبال متزايد عالمياً. فالمنظومة تتمتع بدرجة عالية من الأتمتة وتستخدم أنظمة رقمية متطورة للتحكم في النيران والملاحة وإدارة المهام، ما يسمح بتقليل زمن إعداد الرمي وتحسين سرعة الاستجابة للأهداف. كما يمكن دمجها بسهولة ضمن شبكات القيادة والسيطرة الحديثة، وهو ما يتوافق مع خطط القوات المسلحة الماليزية للتحول نحو بيئة عملياتية أكثر اعتماداً على الأنظمة الرقمية.

وقد لعب الأداء القتالي للمنظومة خلال السنوات الأخيرة دوراً مهماً في تعزيز سمعتها الدولية. فقد استخدمت مدافع CAESAR في عدة مسارح عمليات مختلفة وأظهرت قدرة عالية على تنفيذ الضربات الدقيقة والبقاء في بيئات قتالية معقدة، ما جعلها واحدة من أكثر أنظمة المدفعية المطلوبة في السوق العالمية. وأسهمت هذه الخبرة العملياتية في ترجيح كفة المنظومة الفرنسية أمام عدد من المنافسين خلال برامج التحديث المختلفة حول العالم.

كما تمثل الصفقة نجاحاً جديداً لشركة KNDS France التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز المستفيدين من موجة التوسع في الإنفاق العسكري العالمي. فالشركة نجحت في تسويق CAESAR لدى عدد متزايد من الجيوش الأوروبية والآسيوية والشرق أوسطية، مستفيدة من تزايد الطلب على المدفعية ذاتية الحركة بعد الدروس المستخلصة من النزاعات الحديثة.

قد تفتح الصفقة الباب أمام أشكال أوسع من التعاون الدفاعي بين فرنسا وماليزيا مستقبلاً، سواء في مجالات الدعم الفني والتدريب أو في برامج تحديث وتسليح أخرى. وتحرص باريس منذ سنوات على تعزيز حضورها الدفاعي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تنظر إلى جنوب شرق آسيا باعتبارها إحدى أهم الأسواق الدفاعية الواعدة خلال العقود المقبلة.

واستراتيجياً، يعكس القرار الماليزي توجهاً عالمياً متزايداً نحو الاستثمار في المدفعية بعيدة المدى باعتبارها أحد أهم أدوات القوة البرية الحديثة. فالحروب الأخيرة أثبتت أن المدفعية لا تزال تحتفظ بدورها المحوري في حسم المعارك، بل إن تطور الذخائر الدقيقة وأنظمة الاستطلاع والطائرات المسيّرة أعاد إليها أهمية أكبر مما كانت عليه خلال العقود السابقة.

كما يؤكد اختيار CAESAR استمرار المنافسة المحتدمة في سوق المدفعية العالمية، حيث تسعى الشركات الأوروبية والأمريكية والكورية الجنوبية والتركية إلى الفوز بعقود التحديث الكبرى في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. وفي هذا السياق، يمنح العقد الماليزي دفعة إضافية للمنظومة الفرنسية ويعزز مكانتها كواحدة من أكثر أنظمة المدفعية ذاتية الحركة انتشاراً على المستوى الدولي.

إن قرار ماليزيا التعاقد على مدافع CAESAR يمثل خطوة مهمة في مسار تحديث قواتها البرية وتعزيز قدراتها النارية بعيدة المدى. كما يعكس الثقة المتزايدة في المنظومة الفرنسية التي أثبتت فعاليتها العملياتية في السنوات الأخيرة، ويؤكد أن المدفعية المتحركة والدقيقة ستظل عنصراً أساسياً في موازين القوة العسكرية الحديثة خلال العقود القادمة.