أخبار: Northrop Grumman تقود قاطرة التحديث الأمريكي في الميكروإلكترونيات ضمن برنامج ATSP V

في خطوة استراتيجية تهدف إلى تحصين التفوق التكنولوجي الأمريكي أمام المنافسة الدولية المتصاعدة، أعلنت شركة Northrop Grumman، العملاق العالمي في مجالات الطيران والدفاع، عن اختيارها من قبل وكالة الأنشطة الميكروإلكترونية الدفاعية (DMEA) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، للمشاركة في برنامج دعم التكنولوجيا المتقدمة في نسخته الخامسة (Advanced Technology Support Program V - ATSP V). هذا العقد الإطاري، الذي يمتد لعشر سنوات بسقف مالي إجمالي يصل إلى 25.3 مليار دولار، يضع Northrop Grumman في قلب المجهود الوطني الأمريكي لتأمين وإنتاج أشباه الموصلات المتقدمة المخصصة للأغراض العسكرية داخل الولايات المتحدة.

ويهدف هذا التعاون إلى سد الفجوة بين التقنيات التجارية المتسارعة والمتطلبات الدفاعية الصارمة، حيث ستعمل Northrop Grumman كأداة تنفيذية لتسريع دمج الميكروإلكترونيات الأمريكية الصنع في المنظومات القتالية الحساسة. ويأتي هذا الإعلان تزامناً مع تحول جذري في سياسة الشركة، التي فتحت مؤخراً مراكزها المتخصصة في إنتاج الرقائق (Microelectronics Center) أمام الشركاء الخارجيين، لتعزيز مرونة القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية.

تعد الميزة التنافسية الكبرى التي توفرها Northrop Grumman ضمن هذا البرنامج هي القدرة على تجاوز البيروقراطية التقليدية في الاستحواذ العسكري. يتضمن الإطار التعاقدي الجديد لبرنامج ATSP V آليات عمل غير مسبوقة:

- دورة حياة متسارعة: الالتزام بالرد على طلبات العروض في غضون 30 يوماً فقط، مع تقليص الفترة الزمنية من تقديم المقترح إلى منح المهمة لتتراوح بين 80 و90 يوماً، وهو ما يعد "سرعة قصوى" في معايير البنتاجون.

- محاربة التقادم (Obsolescence Mitigation): تركز الشركة على استبدال الرقائق الإلكترونية القديمة في الأنظمة القائمة (مثل مقاتلات F-35 ودرونات Global Hawk) بنسخ حديثة تعتمد على معمارية 3D-Heterogeneous Integration، مما يطيل العمر الافتراضي للمعدات ويزيد كفاءتها القتالية.

- تقنيات المستقبل: يشمل العقد تطوير مكونات لأنظمة الحوسبة الكمومية (Quantum Computing)، والمستشعرات النانوية، والدوائر المتكاملة القادرة على الصمود في بيئات الإشعاع العالي في الفضاء أو المسارح النووية.

استراتيجياً، لا يعد هذا العقد مجرد صفقة توريد، بل هو جزء من عقيدة "الاستقلال التقني" التي تتبناها واشنطن. وتتجلى دلالات هذا الخبر في عدة نقاط محورية:

- فك الارتباط بالشرق: يمثل العقد رداً عملياً على مخاطر الاعتماد على سلاسل التوريد الآسيوية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية حول تايوان. من خلال الاعتماد على منشآت Northrop Grumman المعتمدة من الحكومة الأمريكية، يضمن البنتاجون عدم وجود "أبواب خلفية" سيبرانية في الرقائق التي تدير الصواريخ الباليستية أو شبكات الرادار.

- تكامل "السوفتوير والهاردوير": تدرك الولايات المتحدة أن التفوق في الذكاء الاصطناعي لا يمكن تحقيقه دون امتلاك الأجهزة التي تشغله. توفر Northrop Grumman هنا "العقل المادي" الذي سيشغل الجيل القادم من الطائرات المسيرة والأسلحة المستقلة، مما يمنح القوات المسلحة تفوقاً خوارزمياً حاسماً.

- تحويل الصناعة الدفاعية إلى منصة مفتوحة: بفتح Northrop Grumman لمرافقها المتخصصة (Accredited Foundries) أمام الشركات الصغرى والأكاديميا تحت مظلة هذا العقد، فإنها تخلق نظاماً بيئياً متكاملاً يشجع على الابتكار السريع ويقلل تكلفة البحث والتطوير على الدولة.

من المؤكد أن دور Northrop Grumman القيادي في برنامج ATSP V سيخلق ارتدادات عالمية واسعة:

- إعادة رسم خريطة المنافسة: استبعاد شركات كبرى أخرى من قائمة الممنوحين في هذا الجزء من البرنامج يعزز هيمنة Northrop Grumman و Raytheon على سوق "الرقائق الدفاعية الموثوقة". هذا التركيز قد يدفع الشركات الأوروبية والآسيوية إلى التحالف لإنشاء أقطاب ميكروإلكترونية دفاعية موازية للحفاظ على استقلالها.

- ارتفاع معايير "الأمن السيبراني للأجهزة": سيصبح معيار "الرقائق الموثوقة" (Trusted Microelectronics) هو المعيار العالمي الجديد في صفقات التسلح. الدول المشترية للسلاح الأمريكي (مثل اليابان وأستراليا اللتين تساهمان في تمويل هذه البرامج) ستطلب ضمانات بأن المكونات الإلكترونية منتجة في بيئة محمية تماماً، مما يرفع سقف التكلفة والتعقيد التكنولوجي للمنافسين.

- التأثير المزدوج (Dual-Use) والنمو الاقتصادي: التقدم الذي تحرزه الشركة في التغليف المتقدم للرقائق (Advanced Packaging) ضمن عقود الدفاع سيتسرب حتماً إلى التطبيقات التجارية الفائقة (مثل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي)، مما يعزز مركز الولايات المتحدة كقوة صناعية تكنولوجية شاملة، وليس عسكرية فقط.

يؤكد دور Northrop Grumman في برنامج ATSP V أن المعركة القادمة لن تُربح فقط في ميادين القتال، بل داخل غرف التصنيع النظيفة حيث تُصمم الرقائق التي لا يتجاوز حجمها بضعة ملليمترات، ولكنها تحمل ثقل الأمن القومي الأمريكي ومستقبل توازن القوى العالمي.