أخبار: Rheinmetall تبرم أضخم صفقة في تاريخها لتزويد الناتو بذخائر مدفعية

في لحظة فارقة من تاريخ الصناعات الدفاعية الأوروبية، أعلنت مجموعة Rheinmetall الألمانية العملاقة عن توقيع اتفاقية إطارية تاريخية مع وكالة الدعم والمشتريات التابعة لحلف شمال الأطلسي (NATO Support and Procurement Agency - NSPA)، لتوريد كميات ضخمة من ذخائر المدفعية من عيار 155mm. هذه الصفقة، التي كُشف عن تفاصيلها النهائية في 16 فبراير 2026، لا تُعد مجرد عملية شراء تجارية، بل هي حجر الزاوية في استراتيجية الحلف الجديدة لإعادة بناء المخزونات الاستراتيجية التي استُنزفت خلال السنوات الأخيرة، وتأتي كاستجابة مباشرة لمطالب قادة الناتو بضرورة الانتقال إلى "الإنتاج الصناعي الحربي" لمواجهة التهديدات المتزايدة على الجناح الشرقي لأوروبا.

تتجاوز القيمة الإجمالية لهذه الاتفاقية الإطارية حاجز الـ 8.5 مليار يورو، مما يجعلها العقد الأضخم في تاريخ Rheinmetall الحديث. وبموجب هذا الاتفاق، ستقوم الشركة بتوريد مئات الآلاف من قذائف 155mm المتقدمة، بما في ذلك القذائف شديدة الانفجار وقذائف المدى الممتد، بالإضافة إلى صواعق التفجير والمواد الدافعة (Propellants).

بدأ تنفيذ المرحلة الأولى من العقد فعلياً في يناير 2026، حيث تم تخصيص جزء من الإنتاج لصالح ألمانيا وهولندا وإستونيا والدنمارك، كجزء من مبادرة المشتريات المشتركة التي يقودها الناتو. ولضمان تلبية هذه الطلبات الهائلة، قامت Rheinmetall بتوسيع طاقتها الإنتاجية عبر بناء منشأة إنتاج ضخمة في "أونترلوس" (Unterlüß) بألمانيا، والمعروفة باسم "FHS"، بالإضافة إلى خطوط إنتاج جديدة في المجر وإسبانيا، مما يرفع إجمالي القدرة الإنتاجية للمجموعة إلى أكثر من 700,000 قذيفة سنوياً بحلول نهاية عام 2026.

تحمل هذه الصفقة دلالات استراتيجية عميقة في محيطها الجيوسياسي. أولاً، تعيد الاعتبار لسلاح المدفعية بصفته "ملك المعركة" في الحروب الحديثة عالية الكثافة؛ فبعد عقود من التركيز على العمليات الجراحية والاستهداف بالليزر، أثبتت الصراعات الأخيرة في أوروبا أن القدرة على استدامة "النار الكثيفة" هي العامل الحاسم في صمود الجيوش.

ثانياً، تمثل الصفقة انتصاراً لمفهوم "التوحيد القياسي" (Standardization) داخل حلف الناتو. إن اعتماد دول متعددة على قذائف Rheinmetall من طراز 155mm يسهل العمليات اللوجستية المشتركة، حيث يمكن للقوات من جنسيات مختلفة تبادل الذخائر واستخدامها في منصات مدفعية متنوعة مثل PzH 2000 الألمانية، و Archer السويدية، و Caesar الفرنسية، مما يزيد من مرونة الحلف الميدانية ويقلل من تكاليف سلاسل التوريد.

ثالثاً، تُعد هذه الصفقة رسالة سياسية شديدة اللهجة نحو موسكو، مفادها أن الصناعة الأوروبية قد استفاقت من سباتها، وأن "فجوة الذخائر" التي ظهرت في عام 2023 قد أُغلقت للأبد بفضل الاستثمارات الرأسمالية طويلة الأمد في البنية التحتية الدفاعية.

على الصعيد العالمي، تضع هذه الصفقة شركة Rheinmetall في موقع المهيمن على سوق الذخائر الغربية، متفوقة بوضوح على المنافسين التقليديين. إن نموذج "الاتفاقيات الإطارية طويلة الأمد" الذي تبناه الناتو مع الشركة الألمانية يوفر استقراراً مالياً يسمح للشركات بالاستثمار في البحث والتطوير دون الخوف من تقلبات الميزانيات السنوية، وهو نموذج بدأ ينتشر حالياً في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

من الناحية التقنية، سيسرع هذا العقد من وتيرة تطوير "الذخائر الذكية"؛ حيث ستستثمر Rheinmetall جزءاً من أرباح هذه الصفقة في تطوير قذائف موجهة عبر الأقمار الصناعية وذخائر بعيدة المدى (Long Range Artillery) لمواجهة التحديات التي تفرضها أنظمة الدفاع الجوي والتشويش الإلكتروني.

علاوة على ذلك، فإن هذه الصفقة ستؤدي إلى "تأثير الدومينو" في سوق التسلح؛ حيث ستضطر الدول خارج حلف الناتو إلى البحث عن اتفاقيات مماثلة لضمان حصتها من الإنتاج العالمي، مما سيؤدي إلى ارتفاع مطرد في أسعار المواد الخام الداخلة في صناعة المتفجرات (مثل النيتروسليلوز) وزيادة التنافس العالمي على تأمين سلاسل التوريد لهذه المواد. إننا نشهد اليوم ولادة "كارتل دفاعي" أوروبي تقوده Rheinmetall، ليس فقط كمزود للسلاح، بل كضمانة للأمن القومي للقارة بأكملها.