في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة خريطة الدفاع في شرق أوروبا، أعلنت شركة Rheinmetall في أبريل 2026 عن توسع تاريخي في قدراتها الإنتاجية داخل رومانيا. ومن خلال تأسيس شبكة إنتاج محلية متكاملة، تهدف الشركة إلى تحويل رومانيا إلى مركز إقليمي متقدم لصناعة وصيانة المدرعات والذخائر، مما يعزز من سيادة بوخارست الدفاعية ويدعم الجناح الشرقي لحلف الناتو في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
يتمحور التوسع الجديد حول شركة Rheinmetall Automecanica في مدينة "ميدياتش"، حيث رفعت الشركة الألمانية حصتها إلى 72.5%، لتبدأ في تحويل المنشأة من مركز صيانة إلى خط إنتاج وتجميع متطور. وبحلول أبريل 2026، بدأت ملامح "مركز التميز" في الظهور، ليكون مسؤولاً عن:
- إنتاج مدرعات Lynx: بدأت رومانيا في دمج سلاسل التوريد المحلية لإنتاج مركبة المشاة القتالية Lynx KF41، مع التركيز على تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين.
- مصنع مسحوق البارود: بالتعاون مع الحكومة الرومانية، بدأت أعمال بناء منشأة ضخمة في مدينة "فيكتوريا" باستثمار يتجاوز 535 مليون يورو، لإنتاج مساحيق المتفجرات والمواد الدافعة للذخائر، وهو مشروع حيوي لسد النقص الحاد في الذخائر على مستوى القارة الأوروبية.
- صيانة المنظومات الغربية: يعمل مركز "ساتو ماري" كحلقة وصل لوجستية حاسمة لصيانة الدبابات والمدرعات الغربية (مثل Leopard 2 وMarder) العاملة في المنطقة، مما يضمن سرعة استجابة العمليات.
لا يقتصر مشروع Rheinmetall على الاستثمار المباشر، بل يمتد ليشمل شراكات استراتيجية مع كبرى الشركات الرومانية مثل Uzina Automecanica Moreni وInteractive Software SRL. ويهدف هذا التعاون إلى نقل المعرفة التقنية (Know-how) وتدريب الكوادر الرومانية على أحدث تقنيات اللحام الآلي، وتجميع الأنظمة الإلكترونية المعقدة، ومحاكاة المعارك الجوية والبرية.
وتشير التقارير إلى أن برنامج مدرعات المشاة القتالية (MLI) في رومانيا، والذي تبلغ قيمته حوالي 3 مليارات يورو، قد وضع Rheinmetall كمورد مفضل، مما يضمن تدفق الطلبات لسنوات قادمة ويخلق آلاف الوظائف عالية التقنية في السوق المحلية.
لسنوات، كانت دول شرق أوروبا تعتمد على شراء المعدات الجاهزة. اليوم، عبر توطين صناعة Lynx وإنتاج المواد المتفجرة، تنتقل رومانيا من صفة "المستهلك" إلى "المنتج والشريك". هذا يعزز من مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي ويقلل الضغط على خطوط الإنتاج في ألمانيا التي تعاني من تشبع في الطلبات.
يعد نقص مسحوق البارود والمواد الدافعة "عنق الزجاجة" الحقيقي في الإنتاج الدفاعي العالمي حالياً. إن استثمار Rheinmetall في مصنع رومانيا لإنتاج 20,000 طن سنوياً بحلول نهاية العقد سيجعل من بوخارست لاعباً محورياً في سلاسل إمداد الناتو، ويقلل من هيمنة الموردين الآسيويين على هذه المواد الحيوية.
من منظور جيوسياسي، فإن وجود بنية تحتية صناعية لشركة Rheinmetall على بعد كيلومترات من الحدود الأوكرانية وفي محيط البحر الأسود يرسل رسالة ردع واضحة. إن قدرة الناتو على صيانة وإنتاج المعدات الثقيلة في "الخطوط الأمامية" تزيد من جهوزية القوات وقدرتها على الاستدامة في نزاعات طويلة الأمد.
بهذا التوسع، تُحكم Rheinmetall قبضتها على سوق المدرعات في أوروبا. فبعد المجر وبريطانيا وأستراليا، تصبح رومانيا الحلقة الرابعة في "إمبراطورية Lynx"، مما يجعل من الصعب على المنافسين مثل BAE Systems أو General Dynamics اختراق الأسواق الناشئة في شرق أوروبا التي باتت تعتمد "المعيار الألماني" في تسليحها.
إن توسع Rheinmetall في رومانيا خلال عام 2026 ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو إعادة هيكلة لميزان القوى الصناعي في القارة العجوز. رومانيا اليوم لم تعد مجرد "حصن" للناتو، بل أصبحت "مصنعاً" حيوياً يضمن استمرار التفوق التكنولوجي واللوجستي للتحالف الغربي.