ي خطوة تمهد الطريق لتحول جذري في مفهوم الإدارة الرقمية للمعارك، أعلنت شركة L3Harris Technologies الأمريكية، الرائدة عالمياً في تقنيات الاتصالات والفضاء، عن توقيع مذكرة تفاهم وتعاون تقني واسع النطاق مع الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) وشركة الصناعات العسكرية السعودية (SAMI). ويهدف هذا التعاون، الذي تم الإعلان عنه في الحادي عشر من فبراير 2026، إلى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) والحوسبة المتطورة في أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات (C4ISR) الخاصة بالقوات المسلحة السعودية، مما يضع المملكة في طليعة الدول المتبنية لتقنيات "الحرب القائمة على البيانات".
تأتي هذه الاتفاقية لتتوج مساراً طويلاً من الشراكة بين الرياض وشركة L3Harris، ولكنها تنتقل بها اليوم من مجرد توريد العتاد إلى مرحلة "الذكاء السيادي". وسيركز التعاون على تطوير برمجيات خوارزمية متقدمة قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات القادمة من أجهزة الاستشعار على الأرض، وفي الجو، ومن الأقمار الصناعية، لتحويلها إلى رؤى استراتيجية فورية تدعم اتخاذ القرار العسكري في أجزاء من الثانية.
بموجب بنود هذا التعاون، ستعمل L3Harris Technologies على نقل المعرفة الفنية المتعلقة بأنظمة الراديو المعرفة برمجياً (SDR) من طراز Falcon IV، ودمجها مع منصات ذكاء اصطناعي محلية التطوير. هذا الدمج سيسمح بإنشاء شبكات اتصالات "ذاتية الشفاء" (Self-healing Networks) قادرة على اكتشاف محاولات التشويش الإلكتروني المعادية والالتفاف عليها آلياً دون تدخل بشري.
كما يتضمن المشروع المشترك تطوير أنظمة رؤية حاسوبية (Computer Vision) متقدمة لمنصات المراقبة والاستطلاع، بحيث يمكن للذكاء الاصطناعي تمييز الأهداف وتصنيفها وتحديد أولويات الخطورة بشكل تلقائي. ولضمان استدامة هذا التحول، ستقوم L3Harris بتأسيس مراكز بحثية في الرياض لتدريب الكوادر السعودية على هندسة البرمجيات الدفاعية ومعالجة الإشارات الرقمية، مما يسهم بشكل مباشر في تحقيق مستهدفات "رؤية 2030" الرامية لتوطين الصناعات العسكرية وتحويل المملكة إلى مركز إقليمي للابتكار التقني.
تمثل هذه الصفقة دلالة استراتيجية كبرى؛ فهي تعكس إدراك القيادة العسكرية السعودية بأن التفوق في حروب المستقبل لن يكون لمن يمتلك أكبر عدد من الدبابات أو الطائرات فحسب، بل لمن يمتلك "التفوق المعلوماتي". ومن خلال الشراكة مع L3Harris، تسعى المملكة لامتلاك "دماغ رقمي" يربط كافة أفرع القوات المسلحة في شبكة موحدة، وهو ما يُعرف بـ "العمليات المشتركة عبر جميع المجالات" (JADC2).
استراتيجياً، يمنح هذا التعاون المملكة قدرة عالية على الردع في "الحروب الهجينة"؛ فأنظمة الذكاء الاصطناعي التي ستوفرها L3Harris ستكون قادرة على رصد التهديدات غير المتماثلة، مثل المسيرات الانتحارية والهجمات السيبرانية، في وقت مبكر جداً. كما أن توطين هذه التقنيات يحمي القرار العسكري السعودي من أي محاولات للاختراق التقني أو التبعية التكنولوجية المطلقة، حيث ستكون الخوارزميات والشيفرات البرمجية تحت إشراف وطني مباشر.
بالإضافة إلى ذلك، تعزز هذه الخطوة مكانة المملكة كلاعب محوري في أمن الطاقة العالمي والممرات المائية الحيوية، حيث ستساهم الأنظمة الذكية في تأمين المنشآت النفطية وحماية السواحل بشكل آلي ودقيق، مما يقلل من هامش الخطأ البشري ويزيد من كفاءة الاستجابة للأزمات.