أخبار: Nokia وNestAI تطوران منظومة ذكاء اصطناعي ميدانية لتعزيز القيادة والسيطرة في بيئات الحرب الإلكترونية

كشفت شركة Nokia Defense وشركة NestAI عن أولى النتائج العملياتية لشراكتهما الاستراتيجية في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري، عبر تطوير منظومة متكاملة تجمع بين شبكات 5G التكتيكية القابلة للنشر، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستشعار المتقدمة، بهدف تمكين القوات المسلحة من الحفاظ على القيادة والسيطرة وتنفيذ العمليات في البيئات القتالية التي تتعرض للتشويش الإلكتروني أو انقطاع الاتصالات. ويعكس هذا الإعلان تصاعد اهتمام أوروبا ببناء منظومات دفاعية سيادية تعتمد على تقنيات محلية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها ميدان القتال الحديث، حيث أصبحت البيانات والاتصالات والذكاء الاصطناعي عناصر حاسمة لا تقل أهمية عن المنصات القتالية التقليدية.

ويأتي هذا التطور امتداداً للشراكة التي أُطلقت في نوفمبر 2025 عقب استثمار مشترك بقيمة 100 مليون يورو من Nokia وشركة الاستثمار الفنلندية Tesi في NestAI، بهدف تأسيس منظومة أوروبية متقدمة للذكاء الاصطناعي الدفاعي. وبعد أقل من عام على إطلاق المشروع، أعلنت الشركتان عن ثلاث قدرات عملياتية جديدة تستهدف معالجة واحدة من أكثر التحديات تعقيداً في الحروب الحديثة، وهي ضمان استمرار الاتصالات العسكرية والوعي الميداني حتى في البيئات التي تتعرض لهجمات الحرب الإلكترونية المكثفة أو التشويش أو تدمير البنية التحتية للاتصالات.

وترتكز القدرة الأولى على دمج شبكات 5G التكتيكية القابلة للنشر التابعة لـ Nokia مع نظام NestOS الذي طورته NestAI لإدارة العمليات القتالية الحديثة. ويتيح هذا الدمج إنشاء منظومة قيادة وسيطرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكن نشرها بسرعة في مناطق العمليات دون الحاجة إلى بنية اتصالات ثابتة، بما يسمح باستمرار إدارة الوحدات العسكرية والمنصات غير المأهولة وتبادل البيانات بين مختلف التشكيلات حتى في حال تعرض الشبكات التقليدية للتعطيل. ويُعد هذا المفهوم أحد أبرز الاتجاهات الحديثة في الحروب الشبكية، حيث تتحول شبكات الاتصالات نفسها إلى عنصر قتالي أساسي يضمن استمرار العمليات تحت مختلف الظروف.

أما القدرة الثانية فتتمثل في دمج نماذج تخطيط الشبكات اللاسلكية الخاصة بـ Nokia داخل منظومة NestOS، بما يسمح بإدخال عامل الاتصالات ضمن عملية التخطيط العسكري منذ المراحل الأولى لإعداد المهمة. وبدلاً من التعامل مع تغطية الشبكات باعتبارها مسألة فنية منفصلة، أصبح بإمكان القادة تقييم جودة الاتصال المتوقعة على طول مسار العملية، وتحديد مناطق ضعف التغطية، وإعادة توزيع الموارد أو تعديل مسارات القوات بصورة ديناميكية أثناء تنفيذ المهمة، الأمر الذي يقلل احتمالات فقدان الاتصال خلال العمليات السريعة متعددة المجالات.

وتعتمد القدرة الثالثة على الجمع بين تقنية Integrated Sensing and Communications (ISAC) التي طورتها Nokia مع تقنيات التتبع متعدد المستشعرات لدى NestAI، بهدف تعزيز الاكتشاف المبكر للتهديدات. وتوفر هذه المنظومة قدرة على دمج بيانات الرادارات والمستشعرات المختلفة وتحليلها بواسطة الذكاء الاصطناعي لإنتاج صورة عملياتية أكثر دقة وسرعة، بما يمنح القادة إنذاراً مبكراً ضد الطائرات المسيّرة والأهداف الجوية والبرية، حتى في البيئات التي تتعرض لتشويش كثيف أو تعاني من ضعف الاتصالات. وتؤكد الشركتان أن هذه القدرات صُممت خصيصاً للعمل في ظروف الحرب الإلكترونية والعمليات التي تُحرم فيها القوات من وسائل الاتصال التقليدية.

وتؤكد Nokia أن الحلول الجديدة تستهدف تلبية متطلبات قوات حلف شمال الأطلسي، مع التركيز على بناء تقنيات أوروبية مستقلة تقلل الاعتماد على الموردين الخارجيين في المجالات الحساسة المرتبطة بالقيادة والسيطرة والذكاء الاصطناعي العسكري. وفي المقابل، أوضحت NestAI أن كثيراً من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية تفترض وجود شبكات مستقرة وبنية تحتية متكاملة، وهو افتراض لا يتوافق مع واقع ميادين القتال الحديثة التي تتعرض باستمرار للتشويش والهجمات السيبرانية وتدمير مراكز الاتصالات، ما دفع الشركة إلى تطوير حلول قادرة على التكيف مع البيئات القتالية المتغيرة بصورة مستمرة.

ويعكس هذا التعاون اتجاهاً أوروبياً متنامياً نحو دمج شبكات الاتصالات العسكرية مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة واحدة، بحيث تصبح البيانات والاستشعار والاتصالات عناصر مترابطة وليست أنظمة منفصلة. كما يؤكد أن مستقبل القيادة والسيطرة لن يعتمد فقط على امتلاك منصات قتالية متطورة، وإنما على القدرة على الحفاظ على تدفق المعلومات بصورة مستمرة بين الوحدات القتالية حتى في أكثر البيئات تعقيداً، وهو ما يمنح القوات سرعة أعلى في اتخاذ القرار والاستجابة للتهديدات المتغيرة.

يمثل المشروع خطوة مهمة في توسع Nokia داخل قطاع الصناعات الدفاعية بعد عقود ارتبط خلالها اسم الشركة بقطاع الاتصالات المدنية. ويؤشر أيضاً إلى تنامي دور شركات التكنولوجيا التجارية في تطوير حلول عسكرية متقدمة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الطرفية، والشبكات الخاصة، والاستشعار الذكي، وهي قطاعات أصبحت تستحوذ على جزء متزايد من الاستثمارات الدفاعية العالمية مع تصاعد الاعتماد على الحرب الشبكية والأنظمة غير المأهولة.

كما يعكس التعاون بين Nokia وNestAI تحولاً عميقاً في طبيعة المنافسة داخل سوق الصناعات الدفاعية، حيث لم تعد الأفضلية ترتبط فقط بتطوير الدبابات أو الطائرات أو الصواريخ، بل أصبحت مرتبطة بامتلاك بنية رقمية قادرة على ضمان تدفق البيانات والاتصالات واتخاذ القرار المدعوم بالذكاء الاصطناعي في الزمن الحقيقي. كما يعزز المشروع مساعي أوروبا لبناء منظومة تكنولوجية دفاعية أكثر استقلالية تتوافق مع متطلبات NATO دون الاعتماد الكامل على التقنيات الأمريكية، وهو توجه مرشح لأن يفتح مجالاً واسعاً أمام استثمارات جديدة في تقنيات القيادة والسيطرة، والاتصالات التكتيكية، والذكاء الاصطناعي العسكري، ما سيزيد من حدة المنافسة العالمية في هذا القطاع خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تحول شبكات 5G العسكرية والذكاء الاصطناعي إلى ركيزتين أساسيتين في تشكيل ملامح ساحات القتال المستقبلية.