أعلنت شركة Hanwha Defense Australia (التابعة لعملاق الصناعات الدفاعية الكوري الجنوبي Hanwha Aerospace) عن اكتمال إنتاج أول ثلاث وحدات من مدافع الهاوتزر ذاتية الدفع من طراز AS9 Huntsman المصنعة محلياً بالكامل. هذا الإنجاز، الذي تم الاحتفاء به في مركز التميز للمركبات المدرعة (H-ACE) التابع للشركة في منطقة جيلونج بولاية فيكتوريا، لا يمثل مجرد إضافة لترسانة الجيش الأسترالي، بل يعلن رسمياً عودة أستراليا كقوة تصنيعية للمركبات العسكرية عالية التقنية بعد عقود من الاعتماد على الاستيراد.
تأتي هذه الخطوة ضمن برنامج LAND 8116 Phase 1 الطموح، وهو استثمار فيدرالي ضخم تتجاوز قيمته الإجمالية (مع مشاريع مرتبطة) حاجز الـ 8 مليارات دولار أسترالي. ويهدف هذا المشروع إلى تزويد القوات البرية بـ 30 مدفعاً من طراز AS9 Huntsman و15 مركبة لإعادة التموين بالذخيرة من طراز AS10 Huntsman Armoured Ammunition Resupply Vehicle. وبخلاف الدفعة الأولى التي تم تصنيعها في كوريا الجنوبية العام الماضي لأغراض التدريب والاختبار، فإن الوحدات الثلاث الجديدة التي خرجت للنور في فبراير ومارس 2026 هي "ثمرة الأرض الأسترالية"، مما يرسخ مفهوم السيادة الدفاعية التي تسعى إليها كانبرا.
عد المدفع AS9 Huntsman النسخة الأكثر تطوراً واشتقاقاً من المنظومة العالمية الشهيرة K9 Thunder، التي تخدم في أكثر من 11 دولة حول العالم. إلا أن "الصياد" الأسترالي يتميز بمواصفات خاصة تجعله فريداً في فئته؛ فهو يعتمد على مدفع عيار 155 ملم بطول 52 عياراً، وقدرة هائلة على تنفيذ تكتيكات "اضرب واهرب" (Shoot-and-Scoot). بفضل نظامه الأوتوماتيكي بالكامل لإدارة النيران، يستطيع AS9 Huntsman إطلاق 3 قذائف في غضون 15 ثانية فقط لتصل جميعها إلى الهدف في وقت واحد عبر مسارات مختلفة، مما يمنحه تفوقاً نارياً ساحقاً ضد الأهداف المعادية.
أما الابتكار الحقيقي فيكمن في التكامل مع مركبة AS10 Huntsman، وهي مركبة إعادة تموين مدرعة صُممت خصيصاً لتقليل انكشاف الجنود لنيران العدو أثناء عمليات تذخير المدافع في قلب المعركة. هذه المنظومة المتكاملة مدعومة بأنظمة اتصالات رقمية مؤمنة طورتها شركة Aurizn، مما يضمن تدفقاً سلساً ومشفرًا للمعلومات بين وحدات المدفعية ومراكز القيادة والسيطرة، وهو ما أكدته الاختبارات الأخيرة التي أجريت في مختبرات الأنظمة الخاضعة لرقابة ITAR في جنوب أستراليا.
من الناحية الاستراتيجية، تعكس صفقة Huntsman تحولاً جذرياً في العقيدة العسكرية الأسترالية. فمنذ عقود، ركزت أستراليا على القوات البحرية والجوية، لكن التوترات المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي والهادي فرضت ضرورة وجود "قوة برية ضاربة" قادرة على العمل في بيئات قتالية عالية الكثافة.
إن اختيار شركة Hanwha Defense Australia كشريك استراتيجي يكرس التحالف الدفاعي المتنامي بين كانبرا وسول، وهو تحالف يتجاوز مجرد البيع والشراء ليصل إلى نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة. هذا التعاون يمنح أستراليا استقلالية لوجستية؛ حيث يتم تصنيع الهياكل الفولاذية بالتعاون مع شركات محلية مثل Bisalloy Steel، بينما يتم دمج الأنظمة القتالية بواسطة مهندسين أستراليين. هذا العمق الصناعي يعني أن الجيش الأسترالي لن يضطر لانتظار قطع الغيار من الخارج في حال وقوع نزاع إقليمي، بل يمتلك "مركز التميز" الخاص به لإدامة وتطوير معداته.
على الصعيد العالمي، يرسل نجاح برنامج AS9 Huntsman رسالة قوية لمنافسي الصناعات الدفاعية التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة. إن صعود Hanwha Aerospace كلاعب مهيمن في سوق المدفعية العالمية - حيث تستحوذ منصة K9 حالياً على أكثر من 50% من سوق المدافع المجنزرة ذاتية الدفع عالمياً - يؤكد أن مركز ثقل الصناعات الدفاعية بدأ يزحف نحو آسيا.
إن قدرة Hanwha Defense Australia على تسليم الوحدات في المواعيد المحددة، بل وبوتيرة أسرع من المتوقع كما صرح وزراء الدفاع الأستراليون مؤخراً، تضع معياراً جديداً للكفاءة الصناعية. هذا النجاح يشجع دولاً أخرى في حلف الناتو وخارجه على التفكير في المنصات الكورية الجنوبية كبديل موثوق وقابل للتخصيص محلياً. كما أن دخول أستراليا في سلسلة التوريد العالمية لمنظومة K9 يعني أنها قد تصبح مستقبلاً مركزاً إقليمياً للصيانة والإصلاح (MRO) لهذه المنظومات للدول الصديقة في المنطقة، مما يعزز من مكانتها الاقتصادية والدفاعية.
مع استمرار إنتاج الـ 28 مدفعاً المتبقية والبدء في تصنيع مركبات المشاة القتالية من طراز Redback في نفس المنشأة لاحقاً، تضع أستراليا قدماً ثابتة في نادي الكبار لصناعة المدرعات. إن AS9 Huntsman ليس مجرد سلاح، بل هو رمز لنهضة صناعية سيادية تدمج بين القوة النارية الكورية والابتكار الهندسي الأسترالي، مما يضمن بقاء القوات البرية الأسترالية محمية، متنقلة، وفتاكة في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
ستخضع الوحدات الجديدة الآن لسلسلة من اختبارات القبول الميدانية والتدريب المكثف مع أفراد "فوج المدفعية الملكي الرابع" (4th Regiment, Royal Australian Artillery)، تمهيداً لدخولها الخدمة العملياتية الكاملة، لتعلن بذلك بداية عصر جديد من "النيران المتنقلة المحمية" تحت لواء السيادة الأسترالية.