: أزمة Bayraktar: قراءة في فجوة الأداء بين البروباجندا والميدان من جبهات أوكرانيا إلى أدغال مالي

في عالم الصناعات الدفاعية، نادراً ما تنجح منصة في تحقيق "الضجة" التي حظيت بها عائلة المسيرات التركية Bayraktar. لقد رُوج لها كـ"مغير لقواعد اللعبة"، وصُورت كحل سحري للدول ذات الميزانيات المحدودة لامتلاك قوة جوية ضاربة. لكن، وبينما يغوص العالم في تحليل أداء هذه المسيرات عبر جبهات قتالية متباينة، بدأت تتشكل قناعة جديدة لدى المحللين العسكريين؛ هناك فجوة سحيقة بين "البروباجندا" التي أحاطت بالمسيرة وبين الواقع الميداني القاسي الذي كشفت عنه التجارب الأخيرة، من أوكرانيا إلى سوريا وشمال العراق، وصولاً إلى مسرح العمليات في مالي.

حقبة الوهج: زمن "الانتصارات السهلة" وهالة التفوق

بدأت Bayraktar كقصة نجاح تكنولوجي في حروب ذات طبيعة خاصة؛ فقد أثبتت كفاءة استثنائية في ليبيا (2020) وفي إقليم ناغورنو قره باغ (2020-2021). في تلك النزاعات، كانت البيئة العملياتية تفتقر إلى منظومات دفاع جوي متكاملة وشبكات رادار متطورة، فكانت المسيرة تعمل في "مساحة آمنة" تسمح لها بالتحليق المنخفض، والاستطلاع الدقيق، وتوجيه ضربات جراحية ضد أهداف ثابتة ومتحركة لا تمتلك القدرة على رصدها أو التشويش عليها.

في تلك البيئات التي توصف بـ"العمليات غير المتكافئة"، كانت Bayraktar تتحرك بأريحية، مستغلة ضعف رادارات الخصم وبدائية وسائل الحرب الإلكترونية لديه. لقد قدمت حينها صوراً مذهلة لضربات جراحية ضد مركبات غير محصنة، مما خلق انطباعاً عالمياً بأن عصر الطيران الحربي التقليدي قد ولى. كان هذا الترويج الناجح، الذي تزاوج فيه السلاح مع منصات التواصل الاجتماعي، هو الأساس الذي بنيت عليه أسطورة Bayraktar.

الصدمة الأوكرانية: الاصطدام بـ "حائط" الردع الحديث

مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، انتقلت المسيرة من بيئة "الميليشيات والمدرعات المتهالكة" إلى بيئة "الجيوش النظامية ذات الدفاعات المتعددة الطبقات". هنا، بدأت الفجوة تتسع بين الوعود والواقع؛ حيث وجدت المسيرات التركية نفسها في مواجهة جيش يمتلك عقيدة عسكرية كلاسيكية متكاملة، وشبكات دفاع جوي متطورة (منظومات S-400، Buk، وTor)، بالإضافة إلى قدرات حرب إلكترونية متقدمة جداً.

اكتشف المشغلون الأوكرانيون -والروس كذلك- أن طراز Bayraktar TB2 يفتقر إلى خصائص التخفي، وأن بصمته الرادارية كبيرة مقارنة بالمسيرات الحديثة، مما يجعله صيداً سهلاً للرادارات الحديثة. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت التجربة أن وصلات البيانات الخاصة بالمسيرة تعاني من "نقاط ضعف" أمام عمليات التشويش الإلكتروني التي تقوم بها القوات الروسية، حيث يتم قطع الاتصال بين المسيرة ومحطة التحكم الأرضية بسهولة. لقد تحولت المسيرة من "صياد" إلى "هدف" في الأجواء المتنازع عليها، مما دفع القيادة العسكرية لتقليص دورها وحصره في مهام محدودة.

جبهات الجوار: سوريا وشمال العراق.. انتكاسة "الأيقونة" أمام الخصوم غير التقليديين

لم تتوقف الانتكاسات عند حدود الجبهات الكلاسيكية، بل امتدت إلى ساحات العمليات التركية المباشرة في سوريا وشمال العراق. شهدت الفترة الماضية سلسلة من الأحداث التي كسرت هيبة هذه المسيرات؛ فقد تم توثيق سقوط مسيرات تابعة للجيش التركي في إقليم كردستان العراق، حيث نشر حزب العمال الكردستاني (PKK) أدلة مرئية توثق لحظات الاستهداف. وأياً كانت مصادر التقنيات التي يستخدمها الحزب، فقد أثبتت فعاليتها في إسقاط عدد متزايد من الطائرات المسيرة التركية خلال العام الماضي.

الأمر ذاته ينطبق على قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا. فمنذ أواخر عام 2024، أفادت تقارير استخباراتية وميدانية بأن هذه القوات طورت أو حصلت على قدرات متقدمة لمواجهة الطائرات المسيرة، ما مكنها من إسقاط مسيرات تركية من طراز Bayraktar TB2، وAksungur، وAnka. وتجدر الإشارة إلى أن جميع هذه المسيرات هي طائرات متوسطة الارتفاع وطويلة التحليق (MALE)، وتُعد Bayraktar TB2 الأكثر انتشاراً بينها، مما يوجه ضربة قوية لمصداقية هذه المنظومات.

مالي: السقوط في فخ الأدغال وانهيار الرهانات

في الفترة الأخيرة، وبانتقال التقييم إلى منطقة الساحل الإفريقي، وتحديداً في مالي، اتضحت صورة أكثر قتامة لأداء هذه المسيرات. فقد راهنت بعض الأطراف على أن Bayraktar ستكون الأداة الفعالة لتعقب المجموعات المسلحة في بيئة صحراوية مفتوحة. إلا أن النتائج جاءت مخيبة للآمال.

لقد تسلمت مالي من تركيا طائرات من طراز Bayraktar Akinci، التي أُسقطت لاحقاً. هذه المسيرات تُصنف ضمن فئة الطائرات عالية الارتفاع وطويلة التحليق (HALE)، وتتميز بتقنيات استشعار متطورة، وقدرة على حمل حمولة أثقل، وإمكانات تسليحية تشمل صواريخ باليستية تُطلق من الجو. ومع ذلك، أظهرت العمليات في مالي أنها تواجه تحديات بنيوية:

- محدودية الاستشعار والمناخ: أثبتت البيئة الصحراوية القاسية، بعواصفها الرملية وحرارتها المرتفعة، أنها تؤثر بشكل سلبي على المستشعرات البصرية والحرارية للمسيرة، مما يقلل من دقة التصويب.

- عامل المفاجأة المفقود: باتت المسيرات التركية مكشوفة لرادارات محمولة أو حتى وسائل رصد بصرية بسيطة، مما يفقدها ميزة "المفاجأة".

- التكلفة مقابل العائد: إن فشل المسيرة في تحقيق أهداف نوعية مقابل تكاليف التشغيل والصيانة العالية، جعل من استخدامها خياراً غير مجدٍ في حرب الاستنزاف والكر والفر.

نهاية عصر "السلاح العجيب"

إن فشل Bayraktar في مالي ليس حدثاً معزولاً، بل هو استكمال لسلسلة من الانتكاسات التي تؤكد أن الرهان على هذه المسيرات كحل سحري للسيطرة على الأرض هو رهان خاسر. إن الفشل المتتالي في ميادين مالي، وقبلها في شمال العراق وسوريا، وفي أوكرانيا، يعيد ترتيب الأولويات؛ فالدول التي اشترت هذه المنظومات وجدت نفسها أمام فاتورة باهظة من التكاليف المادية والعملياتية مقابل مكاسب ميدانية متواضعة.

لقد أثبتت التطورات الميدانية أن التكنولوجيا العسكرية في حالة سباق محموم، وأن "Bayraktar" قد خرجت، أو تكاد، من سباق المسيرات الأكثر فعالية، لتصبح في حجمها الطبيعي مجرد أداة مراقبة ثانوية في بيئات قتال محددة جداً، وليس تلك "القوة الضاربة" التي طالما روجت لها الدعاية التركية. ما نراه هو تصحيح لمسار مبالغ فيه. لقد أثبتت المسيرة التركية أنها أداة جيدة في "سياق محدد"، لكنها ليست حلاً شمولياً. إن "أزمة Bayraktar" هي دليل على "تضخم الآمال" التي وضعت في سلاح لا يمتلك التكنولوجيا الكافية للنجاة في بيئة قتال حديثة ومعقدة.