أخبار: إستونيا توسّع نطاق دفاعها الجوي بتسلم أول نظام IRIS-T SLM

تسلمت إستونيا أول منظومة دفاع جوي متوسطة المدى من طراز IRIS-T SLM الألمانية، في خطوة تمثل تحولاً تاريخياً في قدراتها الدفاعية الجوية. ويأتي التسليم ضمن مشروع مشترك مع لاتفيا يهدف إلى بناء مظلة دفاع جوي متعددة الطبقات وتعزيز الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي في مواجهة التهديدات المتزايدة بالمنطقة.

دخلت إستونيا مرحلة جديدة من تطوير قدراتها العسكرية بعد تسلمها أول منظومة دفاع جوي متوسطة المدى من طراز IRIS-T SLM، في خطوة تعد الأهم في تاريخ الدفاع الجوي الإستوني منذ استعادة البلاد استقلالها. ووصلت المنظومة الجديدة إلى قاعدة أماري الجوية التابعة للقوات الجوية الإستونية، حيث تسلمها جناح الدفاع الجوي الذي أُنشئ خصيصاً خلال السنوات الأخيرة لتشغيل القدرات الجديدة وحماية المجال الجوي الوطني من التهديدات المتطورة. وتمنح المنظومة الألمانية الصنع القوات المسلحة الإستونية قدرة لم تكن متاحة سابقاً، تتمثل في اعتراض الأهداف الجوية على مسافات وارتفاعات تتجاوز بكثير قدرات أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى العاملة حالياً في الخدمة.

وتأتي هذه الخطوة في إطار برنامج تحديث دفاعي واسع النطاق تتبناه تالين منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث دفعت المتغيرات الأمنية في أوروبا الشرقية الحكومة الإستونية إلى تسريع وتيرة الاستثمار في القدرات العسكرية، وعلى رأسها الدفاع الجوي الذي برز باعتباره أحد أكثر المجالات حساسية في البيئة العملياتية الحديثة. ويعد وصول IRIS-T SLM بمثابة إضافة نوعية إلى شبكة الدفاع الوطني، إذ يتيح للقوات الإستونية التعامل مع التهديدات الجوية على نطاق أوسع وأكثر فعالية مقارنة بالمنظومات قصيرة المدى التي كانت تشكل العمود الفقري للدفاعات الجوية للبلاد خلال العقود الماضية.

وتُصنف IRIS-T SLM ضمن أحدث منظومات الدفاع الجوي الأوروبية متوسطة المدى، وقد اكتسبت شهرة واسعة خلال السنوات الأخيرة بعد استخدامها العملياتي المكثف في أوكرانيا. وتتمتع المنظومة بقدرة على التصدي للطائرات المقاتلة والمروحيات وصواريخ الكروز والعديد من الأهداف الجوية المعقدة، مع مدى اعتراض يصل إلى نحو 40 كيلومتراً وارتفاع اشتباك يبلغ قرابة 20 كيلومتراً. كما تعتمد المنظومة على بنية تشغيلية مرنة تشمل رادارات متطورة ومراكز قيادة وسيطرة ومنصات إطلاق متنقلة، ما يسمح بإعادة نشرها بسرعة وفق متطلبات الموقف العملياتي المتغير.

وأكد قائد القوات الجوية الإستونية العميد ريفو فالج أن وصول المنظومة يمثل قفزة نوعية في القدرات الدفاعية للبلاد، مشيراً إلى أن بناء منظومة دفاع جوي فعالة هو عملية طويلة الأمد تتطلب تطوير البنية التحتية وتأهيل الأطقم البشرية وإرساء عقيدة تشغيلية متكاملة. ورغم أن المنظومة لن تدخل الجاهزية القتالية الكاملة فوراً بسبب الحاجة إلى استكمال التدريب والتأهيل الفني، فإن مجرد وصولها يغير حسابات أي خصم محتمل ويجبره على إعادة تقييم خياراته الجوية عند التخطيط لأي عمليات مستقبلية ضد إستونيا أو منطقة البلطيق بشكل عام.

ويعود مشروع اقتناء IRIS-T SLM إلى اتفاق تاريخي وقعته إستونيا ولاتفيا مع شركة Diehl Defence الألمانية خلال عام 2023، في واحدة من أكبر مبادرات التعاون الدفاعي بين البلدين منذ انضمامهما إلى حلف شمال الأطلسي. وقد اعتمد المشروع على مفهوم الشراء المشترك بهدف خفض التكاليف وتعزيز التكامل العملياتي بين القوات المسلحة في البلدين، إضافة إلى بناء شبكة دفاع جوي إقليمية أكثر فعالية في مواجهة التهديدات العابرة للحدود. ويشمل البرنامج حصول إستونيا على ثلاث وحدات نيرانية، وصلت أولها هذا الشهر، فيما يُنتظر تسليم الوحدتين المتبقيتين خلال عام 2027.

وتشير التقديرات إلى أن المشروع يمثل أحد أكبر برامج التسلح في تاريخ إستونيا الحديث، حيث خصصت الحكومة موارد مالية ضخمة لتطوير الدفاع الجوي ضمن خطة أشمل لرفع الجاهزية العسكرية الوطنية. كما يأتي المشروع ضمن جهود أوسع لبناء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات، يجمع بين المنظومات قصيرة ومتوسطة المدى ضمن شبكة موحدة قادرة على حماية القوات والبنية التحتية الحيوية والمراكز السكانية من مختلف أنواع التهديدات الجوية.

ولا تقتصر أهمية المنظومة الجديدة على بعدها الوطني فقط، بل تمتد إلى مستوى حلف شمال الأطلسي بأكمله. فإستونيا تقع على الجناح الشرقي للحلف وتجاور روسيا مباشرة، ما يجعل قدراتها الدفاعية جزءاً لا يتجزأ من منظومة الردع الجماعي للناتو. ومن هذا المنطلق، ينظر إلى نشر IRIS-T SLM باعتباره مساهمة مباشرة في تعزيز الأمن الإقليمي وتقوية شبكة الدفاع الجوي للحلف في منطقة البلطيق التي تعد من أكثر المناطق حساسية استراتيجياً في أوروبا. وقد أكدت Diehl Defence أن كل منظومة يتم تسليمها للدول الحليفة تسهم في تعزيز البنية الدفاعية الجماعية للناتو ورفع مستوى الحماية ضد التهديدات الجوية الحديثة.

استراتيجياً، يكشف وصول IRIS-T SLM إلى إستونيا عن تحول جوهري في طبيعة التفكير الدفاعي الأوروبي. فالحرب في أوكرانيا أظهرت بوضوح أن الدفاع الجوي لم يعد مجرد عنصر داعم للقوات البرية، بل أصبح أحد الأعمدة الأساسية لأي استراتيجية دفاعية ناجحة. وقد أثبتت الصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة أن السيطرة على المجال الجوي أصبحت شرطاً أساسياً لاستمرار العمليات العسكرية وحماية البنية التحتية الحيوية، وهو ما دفع العديد من الدول الأوروبية إلى تسريع برامج اقتناء منظومات الدفاع الجوي الحديثة.

كما يعكس هذا التطور الصعود المتسارع لشركة Diehl Defence ومنظومة IRIS-T SLM في سوق الصناعات الدفاعية العالمية. فبعد سنوات طويلة من هيمنة المنظومات الأمريكية والروسية على سوق الدفاع الجوي متوسط المدى، بدأت المنظومة الألمانية تفرض نفسها كأحد أبرز الحلول الأوروبية المتاحة، مستفيدة من سجلها العملياتي الناجح وارتفاع الطلب عليها داخل مبادرة European Sky Shield Initiative التي تقودها ألمانيا. وتشير التقديرات إلى أن IRIS-T SLM أصبحت واحدة من أسرع منظومات الدفاع الجوي نمواً في أوروبا، مع توسع قاعدة المستخدمين وارتفاع حجم الطلبات بشكل ملحوظ خلال الأعوام الأخيرة.

وفي ضوء البيئة الأمنية الحالية في أوروبا الشرقية، فإن تسلم إستونيا أول منظومة IRIS-T SLM لا يمثل مجرد صفقة تسليح جديدة، بل يشكل تحولاً استراتيجياً في بنية الدفاع الوطني للبلاد. فبعد عقود من الاعتماد على القدرات المحدودة في مجال الدفاع الجوي، باتت تالين تمتلك للمرة الأولى طبقة دفاعية متوسطة المدى قادرة على فرض قيود حقيقية على حركة التهديدات الجوية المعادية، وهو ما يعزز قدرة الدولة على حماية أراضيها ويسهم في ترسيخ منظومة الردع الجماعي لحلف شمال الأطلسي على امتداد الجبهة الشمالية الشرقية لأوروبا.