كشفت تقارير صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية (DoD) اليوم، عن تسارع وتيرة اعتماد الأنظمة الجوية غير المأهولة ذات الاتجاه الواحد (One-way Attack Drones) أو ما يُعرف تقنياً بـ "المسيرات الانتحارية"، كأداة رئيسية لمواجهة التهديدات المتصاعدة من الطائرات بدون طيار (Counter-UAS). ويأتي هذا الإعلان تزامناً مع الكشف عن تعاقدات ضخمة واستخدامات قتالية أولى أثبتت كفاءة هذه الأنظمة في تدمير الأهداف المعادية بأقل تكلفة وأعلى دقة، مما يضع حداً لعصر الاعتماد الكلي على الصواريخ الاعتراضية التقليدية باهظة الثمن.
ووفقاً للتفاصيل المتاحة، فقد شهد شهر مارس 2026 محطات فاصلة في هذا الملف؛ حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (US CENTCOM) عن النجاح العملياتي الأول لمنظومة LUCAS (النظام القتالي غير المأهول منخفض التكلفة) خلال عمليات "الأسد الزئير" (Operation Roaring Lion). وتعد منظومة LUCAS، التي طورتها شركة SpektreWorks الأمريكية، رداً استراتيجياً مباشراً على انتشار مسيرات Shahed الإيرانية، حيث تم تصميمها كنسخة "انتحارية" قادرة على التحليق لفترات طويلة والانقضاض على أهدافها بدقة متناهية، مما يمنح القوات البرية والبحرية قدرة ضاربة فورية دون الحاجة لإسناد جوي تقليدي.
كمن الدلالة الاستراتيجية لهذا التوجه في تبني الولايات المتحدة لعقيدة "الكم المتوفر" (Mass and Affordability). لعقود مضت، كانت استراتيجية الدفاع الجوي تعتمد على صواريخ اعتراضية تفوق قيمتها قيمة الهدف بمئات الأضعاف، وهو ما خلق ثغرة في حروب الاستنزاف الحديثة. اليوم، ومن خلال دفع أنظمة مثل LUCAS و Roadrunner-M التي تنتجها شركة Anduril Industries، تنتقل واشنطن من مرحلة "الدفاع السلبي" إلى مرحلة "الاعتراض الهجومي".
إن استخدام مسيرات انتحارية لاعتراض مسيرات أخرى يمثل "قلباً للطاولة" من الناحية التكتيكية؛ حيث تتيح هذه الأنظمة للقادة الميدانيين مرونة غير مسبوقة. منظومة Roadrunner-M، على سبيل المثال، تتميز بمحركات توربينية مزدوجة تمنحها سرعة تقترب من سرعة الصوت، مع ميزة فريدة وهي "القابلية لإعادة الاستخدام" في حال عدم العثور على هدف، حيث يمكنها الهبوط عمودياً (VTOL) في حاويتها المخصصة (The Nest). هذا التطور يعني أن القوات الأمريكية باتت تملك "مظلة ذكية" قادرة على التمييز بين التهديدات والتعامل مع أسراب المسيرات (Swarms) بكفاءة تدميرية تتجاوز بكثير ما تقدمه المدافع التقليدية أو الصواريخ الحرارية.
علاوة على ذلك، فإن دمج هذه المسيرات ضمن "قوة المهام العقرب" (Task Force Scorpion Strike) يشير إلى نية البنتاغون إنشاء وحدات متخصصة في "حرب الروبوتات" قادرة على العمل بشكل مستقل في بيئات معادية ومحرومة من إشارات نظام تحديد المواقع (GPS-denied environments). هذا النوع من الاستقلال العملياتي يقلل من احتمالات التشويش الإلكتروني ويزيد من فتك الهجمات المضادة، مما يعزز الردع الأمريكي في مناطق النزاع الملتهبة.
فقد أعلن الجيش الأمريكي مؤخراً عن منح شركة AeroVironment عقداً يتجاوز مليار دولار لتوريد منظومات Switchblade 600 و Switchblade 300 المطورة، بالإضافة إلى النسخة الأحدث Red Dragon. هذا الضخ المالي الضخم يؤكد أن سوق "الذخائر المتسكعة" (Loitering Munitions) قد خرج من نطاق الحلول المؤقتة ليصبح ركيزة أساسية في ميزانيات الدفاع العالمية.
إن هذا التحول يجبر الشركات العملاقة مثل RTX Corp (رايثيون سابقاً) على الإسراع في تطوير نسخ غير تدميرية (Non-Kinetic) من منظوماتها، مثل Coyote Block 3NK، التي تستخدم الطاقة الكهرومغناطيسية لتعطيل المسيرات المعادية مع إمكانية استعادة المسيرة الاعتراضية وإعادة شحنها. هذا التنافس المحموم بين "الخيار الانتحاري" و"الخيار القابل للاسترداد" سيؤدي إلى خفض جذري في "التكلفة لكل اشتباك" (Cost-per-engagement)، وهو المعيار الجديد الذي سيحدد المنتصر في صفقات التسلح القادمة.
عالمياً، ستجد الدول التي استثمرت بكثافة في المسيرات الرخيصة نفسها أمام تحدٍ تقني جديد؛ إذ أن "الدرع" أصبح الآن ذكياً، طائراً، ومنتحراً إذا لزم الأمر. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة سباقاً محموماً لتطوير "أسراب مضادة للأسراب"، حيث ستكون الغلبة للطرف الذي يمتلك خوارزميات ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً وقدرة على معالجة البيانات عند "الحافة" (Edge Computing) لاتخاذ قرار الاشتباك في أجزاء من الثانية. باختصار، نحن نشهد نهاية عصر الصواريخ الاعتراضية الصماء وبداية عصر "المفترسات الجوية المستقلة" التي ستغير وجه الحروب البرية والبحرية للأبد.