أخبار: الجيش الأمريكي يعزز دفاعاته ضد الطائرات بدون طيار بعقد جديد مع Perennial Autonomy

يتجه الجيش الأمريكي إلى توسيع اعتماده على أنظمة الدفاع الذكية المضادة للطائرات بدون طيار، بعدما أعلنت شركة Perennial Autonomy الأمريكية توقيع تعاون جديد مع شركة Anduril Industries ضمن جهود تطوير بنية متقدمة لمواجهة التهديدات الجوية غير المأهولة، في خطوة تعكس التحول السريع داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية نحو دمج الذكاء الاصطناعي والأتمتة في أنظمة الرصد والاشتباك والدفاع الجوي قصير المدى.

ويأتي هذا التطور في توقيت تشهد فيه الولايات المتحدة قلقاً متزايداً من الانتشار الهائل للطائرات بدون طيار الرخيصة والانتحارية وأسراب الدرونات الصغيرة، خصوصاً بعد الدروس التي كشفتها الحرب الروسية الأوكرانية والهجمات التي تعرضت لها قواعد أمريكية ومنشآت عسكرية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فقد أثبتت النزاعات الحديثة أن الطائرات الصغيرة منخفضة التكلفة قادرة على تهديد أهداف استراتيجية باهظة الثمن، وهو ما دفع وزارة الحرب الأمريكية إلى إعادة تقييم فلسفة الدفاع الجوي التقليدية بصورة جذرية.

يركز التعاون الجديد على دمج تقنيات Perennial Autonomy الخاصة بالاستقلالية والذكاء الاصطناعي مع منظومة Lattice الشهيرة التابعة لشركة Anduril، والتي تعد واحدة من أبرز منصات القيادة والسيطرة والرصد الشبكي المضاد للطائرات بدون طيار داخل الولايات المتحدة حالياً. وتعمل Lattice كمنصة موحدة تربط الرادارات والكاميرات والمستشعرات ومنظومات الاشتباك ضمن شبكة تحليل وتشغيل مركزية تعتمد بصورة كبيرة على الذكاء الاصطناعي في اكتشاف وتصنيف التهديدات الجوية.

ويمثل هذا المشروع جزءاً من موجة أوسع داخل الجيش الأمريكي تهدف إلى بناء ما يمكن وصفه بـ”الدفاع الجوي المؤتمت”، حيث لم تعد المنظومات التقليدية القائمة على العنصر البشري قادرة وحدها على التعامل مع الكثافة المتزايدة للهجمات غير المأهولة. فالهجمات الحديثة لم تعد تعتمد على طائرة واحدة أو هدف منفرد، بل على أسراب كاملة من الطائرات الصغيرة التي تتحرك بسرعة وعلى ارتفاعات منخفضة ومن اتجاهات متعددة في وقت واحد.

ومن هنا، تحاول الشركات الأمريكية تطوير أنظمة تستطيع اتخاذ قرارات شبه لحظية اعتماداً على الخوارزميات وتحليل البيانات الفوري، لأن زمن الاستجابة البشري التقليدي قد لا يكون كافياً في بيئات الاشتباك المشبعة بالتهديدات. وفي هذا السياق، تبرز أهمية تقنيات Perennial Autonomy، التي تركز على تطوير أنظمة استقلالية قادرة على إدارة عمليات الرصد والتعقب والتنسيق بصورة آلية إلى حد كبير.

كما تعكس الشراكة الجديدة تصاعد النفوذ الهائل لشركات التكنولوجيا العسكرية الناشئة داخل سوق الصناعات الدفاعية الأمريكية، وعلى رأسها Anduril Industries التي تحولت خلال سنوات قليلة من شركة ناشئة أسسها رجل الأعمال الأمريكي بالمر لوكي إلى واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا الدفاعية تأثيراً داخل البنتاجون. وتخصصت Anduril في تطوير الأنظمة الذاتية والطائرات بدون طيار والرصد الشبكي والقيادة والسيطرة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

وخلال السنوات الأخيرة، نجحت Anduril في بناء شبكة علاقات قوية مع وزارة الحرب الأمريكية وعدد من المؤسسات الأمنية والاستخباراتية، مستفيدة من التحول المتزايد داخل واشنطن نحو الاستفادة من سرعة الابتكار في قطاع التكنولوجيا المدنية بدلاً من الاعتماد الكامل على شركات الصناعات الدفاعية التقليدية البطيئة نسبياً في التطوير والإنتاج.

ويبدو واضحاً أن الجيش الأمريكي بات ينظر إلى تهديد الطائرات بدون طيار باعتباره أحد أخطر التحديات العملياتية خلال العقد المقبل. فالحرب الأوكرانية كشفت بصورة صادمة كيف يمكن لطائرات تجارية معدلة أو ذخائر انتحارية منخفضة التكلفة أن تدمر دبابات ومنظومات دفاع جوي ومراكز قيادة بملايين الدولارات. كما أن الهجمات التي نفذتها جماعات مسلحة في الشرق الأوسط ضد قواعد أمريكية باستخدام الدرونات عززت هذا الإدراك داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية.

كما تأتي هذه التطورات ضمن سياق أوسع يشهد اندفاعاً أمريكياً ضخماً نحو الذكاء الاصطناعي العسكري. فقد كشفت تقارير أمريكية مؤخراً أن وزارة الحرب الأمريكية تخطط لاستثمارات غير مسبوقة بمليارات الدولارات في برامج الحرب الذاتية والطائرات غير المأهولة والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، وسط قناعة متزايدة بأن المنافسة العسكرية المستقبلية مع الصين وروسيا ستُحسم جزئياً عبر التفوق في أنظمة الاستقلالية والذكاء الاصطناعي العسكري.

كما أن التعاون بين Perennial Autonomy وAnduril يعكس اتجاهاً متزايداً داخل الصناعات الدفاعية الأمريكية نحو بناء أنظمة “مفتوحة البنية” يمكن دمجها مع منصات ومستشعرات مختلفة بسهولة، بدلاً من الأنظمة المغلقة التقليدية. وهذا يمنح الجيش الأمريكي مرونة أكبر في تحديث المنظومات ودمج تقنيات جديدة بسرعة، خصوصاً في بيئة تتطور فيها تهديدات الطائرات بدون طيار بوتيرة شبه يومية.

ومن اللافت أيضاً أن كثيراً من هذه البرامج الجديدة مستوحى بصورة مباشرة من دروس ساحات القتال الحقيقية، خصوصاً أوكرانيا والشرق الأوسط. فالبنتاجون بات يتابع بصورة دقيقة كيفية استخدام الطائرات بدون طيار الرخيصة في الاستطلاع والهجوم والتشويش والانتحار، ويحاول بناء عقيدة دفاعية قادرة على التعامل مع “الإغراق العددي” الذي تفرضه هذه المنصات الصغيرة.

وفي الوقت نفسه، يثير هذا التوسع السريع في أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل “القرار البشري” داخل المعارك. فكلما ازدادت قدرة الأنظمة على الرصد والتصنيف واتخاذ القرار بصورة مستقلة، اقتربت الجيوش من نموذج القتال شبه الذاتي الذي تعتمد فيه الخوارزميات على إدارة أجزاء كبيرة من الاشتباك.

لكن رغم هذه المخاوف، يبدو واضحاً أن الاتجاه العالمي يسير بسرعة نحو الأتمتة العسكرية. فالصين وروسيا ودول غربية عديدة تستثمر بكثافة في مجالات الطائرات غير المأهولة والحرب الشبكية والذكاء الاصطناعي الدفاعي، ما يجعل سباق الاستقلالية العسكرية واحداً من أهم سباقات التسلح خلال القرن الحادي والعشرين.

وفي المحصلة، فإن الشراكة الجديدة بين Perennial Autonomy وAnduril لا تمثل مجرد تعاون تقني محدود، بل تعكس تحولاً أوسع داخل الجيش الأمريكي نحو بناء منظومات دفاع جوي ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والاستقلالية التشغيلية لمواجهة عصر جديد من الحروب غير المأهولة، حيث أصبحت الطائرات الصغيرة والخوارزميات الذكية تشكل تهديداً استراتيجياً لا يقل خطورة عن الطائرات المقاتلة والصواريخ التقليدية.