في لحظة تاريخية تجسد طموح المملكة العربية السعودية في ريادة الصناعات الدفاعية النوعية، شهد معرض الدفاع العالمي (World Defense Show 2026) في الرياض إزاحة الستار عن منظومة الدفاع الجوي الجديدة المحمولة على شاحنات، والمعروفة باسم VLUMICA. وتعد هذه المنظومة ثمرة جهد وطني متكامل يهدف إلى مواجهة التحدي الأبرز في الحروب الحديثة: الطائرات المسيرة الانتحارية وأسراب الدرونات، مما يضع المملكة في صفوف الدول المصنعة لأحدث تقنيات "الدفاع الجوي النقطي" (Point Defense) عالي الدقة.
تأتي منظومة VLUMICA لتمثل استجابة تقنية وعسكرية للدروس المستفادة من النزاعات الإقليمية والدولية الأخيرة، حيث أثبتت المسيرات الصغيرة رخيصة التكلفة قدرتها على اختراق الرادارات التقليدية. وتتميز المنظومة بقدرتها العالية على الحركة (High Mobility)، حيث تم دمجها على منصة شاحنة عسكرية تكتيكية من طراز Tatra أو منصات محلية الصنع، مما يتيح لها الانتشار السريع وحماية القوات البرية أو المنشآت الحيوية في بيئات جغرافية متنوعة وصعبة.
صُممت منظومة VLUMICA لتكون حلاً دفاعياً طبقياً يجمع بين الرصد الكهروبصري والاعتراض الحركي. وتعتمد المنظومة على وحدة رادار متطورة من طراز AESA (رادار مصفوفة المسح الإلكتروني النشط) قادرة على رصد الأهداف ذات البصمة الرادارية المنخفضة جداً، مثل المسيرات المصنوعة من مواد بلاستيكية أو كربونية. وبمجرد تحديد الهدف، يقوم نظام التحكم في النيران المدعوم بالذكاء الاصطناعي بتوجيه صواريخ اعتراضية خفيفة الوزن وسريعة الاستجابة، مصممة خصيصاً لتحييد الأهداف الجوية على ارتفاعات منخفضة ومتوسطة.
أحد أبرز الابتكارات في VLUMICA هو دمج تقنيات التشويش الإلكتروني (Soft-kill) والاعتراض الصاروخي (Hard-kill) في منصة واحدة. تتيح هذه الميزة للمشغلين اختيار الوسيلة الأنسب للتعامل مع التهديد؛ فإما تعطيل إشارات التحكم في المسيرة عبر أنظمة الحرب الإلكترونية المدمجة، أو تدميرها مادياً بالصواريخ في حال كانت تعمل بشكل آلي ومستقل. كما تتميز المنظومة بقدرتها على العمل ضمن شبكة دفاع جوي متكاملة (IADS)، حيث تتبادل البيانات لحظياً مع مراكز القيادة والسيطرة لتوفير صورة شاملة لمسرح العمليات.
يمثل إزاحة الستار عن VLUMICA في قلب الرياض دلالة استراتيجية كبرى على تحول المملكة من "مستورد" للحلول الدفاعية إلى "مبتكر" لها. إن امتلاك منظومة محلية بهذا المستوى يمنح القوات المسلحة السعودية استقلالية عملياتية كاملة في حماية أجوائها، ويقلل الاعتماد على المنظومات الأجنبية المكلفة التي قد لا تكون مصممة خصيصاً لمواجهة نوعية التهديدات الخاصة بالمنطقة.
استراتيجياً، تعد VLUMICA رداً حاسماً على استراتيجيات "حروب الاستنزاف" التي تعتمدها بعض القوى الإقليمية والجهات غير الحكومية عبر استخدام المسيرات الرخيصة. فبدلاً من استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن تفوق قيمتها قيمة الهدف بمئات الأضعاف، توفر المنظومة السعودية الجديدة حلاً اقتصادياً وفعالاً، مما يحقق توازناً في "معادلة التكلفة مقابل الفتك".
علاوة على ذلك، فإن نجاح تطوير هذه المنظومة يثبت كفاءة الكوادر الهندسية السعودية والتعاون المثمر بين القطاعين العام والخاص تحت مظلة الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI). وهذا يعزز من مفهوم "الردع الوطني"، حيث تصبح التكنولوجيا الدفاعية جزءاً لا يتجزأ من القوة الناعمة والصلبة للمملكة، وقدرتها على تأمين خطوط إمداد الطاقة العالمية ومشاريعها الكبرى كـ "نيوم" و"البحر الأحمر" ضد أي تهديدات جوية ناشئة.