تسرّع الولايات المتحدة عملية تحويل جزيرة جوام إلى واحدة من أكثر القواعد العسكرية تحصيناً في منطقة الهندوباسيفيك، بعدما رفعت وزارة الحرب الأمريكية قيمة برنامج Aegis Guam System إلى نحو 1.9 مليار دولار ضمن مشروع دفاعي ضخم يهدف إلى حماية الجزيرة من الصواريخ الباليستية والفرط صوتية الصينية، في خطوة تعكس حجم القلق الأمريكي المتزايد من قدرات بكين الصاروخية المتنامية واحتمالات اندلاع مواجهة واسعة حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي.
ويأتي التصعيد الجديد بعد منح وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية MDA شركة Lockheed Martin تعديلاً تعاقدياً بقيمة 407 ملايين دولار في 7 مايو 2026، ما رفع القيمة الإجمالية للبرنامج من 1.528 مليار دولار إلى 1.935 مليار دولار، مع تمديد العمل بالمشروع حتى ديسمبر 2029.
ويمثل المشروع أحد أكبر برامج التحصين العسكري الأمريكية في المحيط الهادئ منذ نهاية الحرب الباردة، إذ لم تعد جوام تُعامل فقط كقاعدة خلفية للدعم اللوجستي، بل تحولت فعلياً إلى مركز الثقل العملياتي الأمريكي غرب المحيط الهادئ، خاصة مع تصاعد احتمالات تعرضها لهجمات صاروخية مكثفة خلال أي صراع مستقبلي مع الصين.
تقع جوام على بعد يقارب 3000 كيلومتر من الساحل الصيني، ما يضعها ضمن نطاق عدد كبير من الصواريخ الصينية متوسطة وبعيدة المدى، وعلى رأسها الصاروخ الباليستي DF-26 المعروف غربياً باسم “Guam Killer”، إضافة إلى صواريخ DF-21D المضادة للسفن ومنظومات DF-17 الفرط صوتية. وتضم الجزيرة قواعد حيوية تشمل:
- قاعدة Andersen Air Force Base الجوية.
- قاعدة Naval Base Guam البحرية.
- منشآت دعم الغواصات النووية.
- مراكز تخزين الوقود والذخائر.
- شبكات القيادة والسيطرة الخاصة بالعمليات الأمريكية في غرب المحيط الهادئ.
وتعتبر واشنطن أن أي هجوم ناجح على جوام قد يعرقل بصورة كبيرة قدرة الولايات المتحدة على دعم تايوان أو تنفيذ عمليات بحرية وجوية واسعة في غرب المحيط الهادئ، وهو ما دفع البنتاجون إلى تبني مفهوم “القاعدة المحصنة متعددة الطبقات” بدلاً من الاعتماد على الدفاعات التقليدية المحدودة.
لا يعتمد المشروع الجديد على بطارية دفاع جوي واحدة، بل يمثل شبكة قتالية متكاملة تربط بين أنظمة البحرية والجيش الأمريكي ضمن بنية موحدة لإدارة المعركة والدفاع الجوي والصاروخي. ويشمل النظام دمج عدة منظومات دفاعية رئيسية، أبرزها:
- صواريخ SM-3 لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي.
- صواريخ SM-6 القادرة على التعامل مع أهداف باليستية وفرط صوتية ومناورة.
- منظومات THAAD لاعتراض الصواريخ في المرحلة النهائية.
- صواريخ Patriot PAC-3 MSE للدفاع الجوي قصير ومتوسط المدى.
- رادارات SPY-1 وSPY-6 وTPY-6.
- نظام القيادة والسيطرة C2BMC.
- شبكة IBCS الخاصة بالجيش الأمريكي.
ويهدف هذا الدمج إلى إنشاء “Kill Web” أو شبكة قتل متكاملة تسمح لأي رادار أو مستشعر بتوجيه أي منصة اعتراض بغض النظر عن الجهة العسكرية التابعة لها، ما يمنح النظام مرونة هائلة في مواجهة الهجمات المشبعة متعددة الاتجاهات. كما تعتمد المنظومة على تغطية دائرية 360 درجة، في تطور مهم مقارنة بالأنظمة القديمة المصممة لاعتراض التهديدات القادمة من اتجاهات محددة فقط.
تكشف الاستثمارات الضخمة في جوام حجم القلق الأمريكي من الأسلحة الفرط صوتية الصينية، خاصة أن هذه الصواريخ تتمتع بقدرات مناورة وسرعات تتجاوز Mach 5، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ الباليستية التقليدية. وتعمل واشنطن حالياً على تطوير عدة حلول مضادة لهذه التهديدات، تشمل:
- تطوير صواريخ Glide Phase Interceptor (GPI) لاعتراض المركبات الفرط صوتية أثناء مرحلة الانزلاق.
- تحديث صواريخ SM-6 Block IB بقدرات محسنة ضد الأهداف الفرط صوتية.
- تعزيز شبكات الأقمار الصناعية الخاصة بالإنذار المبكر وتتبع الأهداف عالية السرعة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى جوام باعتبارها المختبر العملياتي الأول للعقيدة الأمريكية الجديدة الخاصة بالدفاع ضد الصواريخ الفرط صوتية ضمن بيئة قتال حقيقية محتملة.
يعكس المشروع تحولاً أوسع داخل العقيدة العسكرية الأمريكية من مفهوم “القواعد الأمامية المكشوفة” إلى مفهوم “القواعد المرنة والقابلة للبقاء” في مواجهة الحرب الصاروخية الحديثة. فخلال العقد الماضي، بنت الصين واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ في العالم ضمن استراتيجية Anti-Access/Area Denial (A2/AD)، التي تهدف إلى منع القوات الأمريكية من الاقتراب من غرب المحيط الهادئ أو التدخل السريع في أي نزاع إقليمي. وردّاً على ذلك، بدأت واشنطن تنفيذ استراتيجية دفاعية جديدة تشمل:
- توزيع القوات على قواعد متعددة أصغر حجماً.
- تحصين البنية التحتية الحيوية.
- توسيع الدفاعات الجوية والصاروخية.
- تطوير أنظمة قيادة وسيطرة أكثر مرونة.
- تعزيز التعاون الدفاعي مع اليابان والفلبين وأستراليا.
ومن هنا، أصبحت جوام حجر الزاوية في شبكة الردع الأمريكية الجديدة داخل الهندوباسيفيك.
يمثل العقد دفعة استراتيجية كبيرة لشركة Lockheed Martin، التي تواصل ترسيخ مكانتها كأحد أكبر اللاعبين العالميين في مجال أنظمة الدفاع الصاروخي والقتال الشبكي. وبحكم كونها المطور الرئيسي لمنظومة Aegis Combat System، تحتفظ الشركة بسيطرة شبه كاملة على البنية البرمجية والمعمارية للنظام، ما يمنحها موقعاً محورياً في مشاريع الدفاع الصاروخي الأمريكية المستقبلية. كما يتوقع أن يفتح مشروع جوام الباب أمام برامج مشابهة في مناطق أخرى من المحيط الهادئ، خاصة مع تصاعد المخاوف من التهديدات الصاروخية الصينية والكورية الشمالية.
تعكس الخطوة الأمريكية أيضاً بداية مرحلة جديدة من سباق التسلح الدفاعي في آسيا، حيث لم تعد المنافسة تقتصر على الصواريخ الهجومية، بل باتت تشمل بناء شبكات دفاع صاروخي متعددة الطبقات قادرة على التعامل مع التهديدات الفرط صوتية والطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية المتزامنة.
وفي المقابل، من المرجح أن تدفع هذه التطورات الصين إلى تسريع تطوير وسائل اختراق الدفاعات الأمريكية، سواء عبر زيادة أعداد الصواريخ، أو تحسين قدرات المناورة والتشويش والخداع الإلكتروني.
ويرى محللون أن مشروع Aegis Guam System قد يصبح خلال السنوات المقبلة النموذج المرجعي الأمريكي للدفاع المتكامل في الحروب الكبرى، خصوصاً مع انتقال الصراع الاستراتيجي العالمي نحو بيئات تعتمد على السرعة الفائقة، والاستشعار الشبكي، والضربات بعيدة المدى متعددة المجالات.