أخبار: بريطانيا تعزز ترسانتها المضادة للمسيّرات بطلبية جديدة من صواريخ Martlet

أطلقت المملكة المتحدة مرحلة جديدة من تطوير قدراتها في مواجهة الطائرات المسيّرة بعد توقيع وزارة الحرب البريطانية حزمة عقود جديدة بقيمة 36 مليون جنيه إسترليني مع شركة Thales UK لتوريد مئات الصواريخ الإضافية من طراز Lightweight Multirole Missile (LMM) المعروف في الخدمة البريطانية باسم Martlet. وتمثل هذه الصفقة أحدث خطوة في مسار متسارع يهدف إلى تعزيز مخزون الذخائر المخصصة لمواجهة الطائرات غير المأهولة والتهديدات الجوية منخفضة التكلفة التي أصبحت تشكل أحد أبرز التحديات العسكرية في ساحات القتال الحديثة.

ووفقًا لما أعلنته وزارة الدفاع البريطانية وشركة Thales، ستبدأ عمليات التسليم خلال الأشهر المقبلة وتستمر طوال عام 2026، بما يضمن استمرار تزويد القوات المسلحة البريطانية بالذخائر اللازمة للتعامل مع التهديدات الجوية المتزايدة. وتأتي هذه العقود بعد سلسلة طلبيات سابقة أبرمتها لندن خلال العامين الماضيين لتوسيع مخزون الصاروخ الذي تحول تدريجيًا إلى أحد أهم عناصر منظومة الدفاع الجوي قصيرة المدى البريطانية.

ويكتسب القرار أهمية خاصة لأنه يأتي بعد الاستخدام العملياتي المكثف لصواريخ Martlet في الشرق الأوسط، حيث استخدمتها القوات البريطانية لاعتراض طائرات مسيّرة هجومية استهدفت مصالح وقواعد حليفة في المنطقة. وتشير التقارير البريطانية إلى أن هذه المنظومة لعبت دورًا مهمًا في عمليات التصدي للطائرات الانتحارية المسيّرة التي أصبحت أداة رئيسية في النزاعات الحديثة بسبب تكلفتها المنخفضة وصعوبة اكتشافها أحيانًا مقارنة بالتهديدات الجوية التقليدية.

ويُعد Martlet من تطوير شركة Thales Air Defence البريطانية، وهو صاروخ متعدد المهام خفيف الوزن صُمم في الأصل للتعامل مع مجموعة واسعة من الأهداف الجوية والبحرية والبرية. ويبلغ مداه أكثر من ستة كيلومترات في النسخ الأرضية، بينما يعتمد على نظام توجيه شعاع ليزري يوفر دقة عالية في الاشتباك مع الأهداف الصغيرة والسريعة الحركة. كما يتميز الصاروخ بانخفاض تكلفته مقارنة بالعديد من الصواريخ الاعتراضية التقليدية، ما يجعله خيارًا جذابًا لمواجهة الطائرات المسيّرة التي غالبًا ما تكون أرخص بكثير من الصواريخ المستخدمة لاعتراضها.

ويعمل الصاروخ حاليًا على عدة منصات داخل القوات المسلحة البريطانية، تشمل مروحيات AW159 Wildcat التابعة للبحرية الملكية، إضافة إلى منظومات الدفاع الجوي الأرضية التابعة للجيش البريطاني. كما يجري دمجه في عدد متزايد من الحلول الدفاعية الجديدة المصممة خصيصًا لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة.

وتأتي هذه الصفقة في وقت يشهد فيه مفهوم الدفاع الجوي قصير المدى تحولًا جوهريًا. فالجيوش الغربية التي كانت تركز لعقود على مواجهة الطائرات المقاتلة والمروحيات والصواريخ التقليدية أصبحت مضطرة اليوم للتعامل مع أعداد ضخمة من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة التي يمكن إطلاقها بشكل منفرد أو ضمن أسراب كبيرة. وقد أظهرت النزاعات الأخيرة في أوكرانيا والشرق الأوسط أن استنزاف مخزونات الدفاع الجوي بواسطة أهداف رخيصة نسبيًا أصبح تحديًا استراتيجيًا حقيقيًا للقوات المسلحة الحديثة.

ولهذا السبب تتجه العديد من الدول إلى البحث عن حلول اعتراض منخفضة التكلفة نسبيًا وقادرة على العمل بأعداد كبيرة. وفي هذا السياق يبرز Martlet باعتباره نموذجًا لما يمكن وصفه بـ"الاعتراض الاقتصادي"، حيث يوفر قدرة تدمير فعالة دون الحاجة إلى استخدام صواريخ دفاع جوي مرتفعة الثمن مخصصة أصلًا لمواجهة الطائرات المقاتلة أو الصواريخ المجنحة.

كما تحمل الصفقة أبعادًا صناعية مهمة بالنسبة للمملكة المتحدة. فإنتاج الصواريخ سيتم داخل منشآت Thales UK في بلفاست، ما يدعم قاعدة الصناعات الدفاعية البريطانية ويحافظ على القدرات الوطنية في مجال تطوير وتصنيع الصواريخ الموجهة. وتكتسب هذه النقطة أهمية متزايدة في ظل سعي الدول الأوروبية إلى تعزيز أمن سلاسل الإمداد الدفاعية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين في القطاعات العسكرية الحساسة.

تعكس الصفقة إدراكًا بريطانيًا متزايدًا بأن الحرب ضد الطائرات المسيّرة لم تعد مهمة ثانوية داخل منظومات الدفاع الجوي، بل أصبحت أحد المحاور الرئيسية للتخطيط العسكري. فبعد سنوات من التركيز على مكافحة التمرد والعمليات غير النظامية، عادت الجيوش الغربية إلى مواجهة بيئة عملياتية معقدة تتداخل فيها الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة والحرب الإلكترونية وأنظمة الاستطلاع غير المأهولة ضمن شبكة متكاملة من التهديدات.

كما تشير الخطوة البريطانية إلى توجه أوسع داخل حلف شمال الأطلسي نحو بناء طبقات متعددة من الدفاع الجوي، بحيث تتولى الأنظمة منخفضة التكلفة مثل Martlet التعامل مع الطائرات المسيّرة والأهداف الصغيرة، بينما تبقى المنظومات الأكبر والأكثر تكلفة مخصصة للتعامل مع التهديدات الاستراتيجية الأكثر خطورة. ويهدف هذا النهج إلى منع استنزاف مخزونات الدفاع الجوي المتطورة في مواجهة أهداف منخفضة القيمة نسبيًا.

يرسخ التوسع المستمر في برنامج Martlet مكانة Thales كأحد اللاعبين الرئيسيين في قطاع أنظمة مكافحة المسيّرات، وهو قطاع يشهد نموًا متسارعًا مع ازدياد الطلب العالمي على حلول الدفاع الجوي القصير المدى. كما أن النجاح العملياتي للصاروخ في الخدمة البريطانية يعزز فرصه التصديرية في الأسواق الدولية، خاصة لدى الدول التي تبحث عن وسائل فعالة واقتصادية للتعامل مع التهديدات الجوية الجديدة.

لا تمثل الصفقة الجديدة مجرد زيادة عددية في مخزون الصواريخ البريطانية، بل تعكس تحولًا أعمق في فلسفة الدفاع الجوي الحديثة. فالحروب المعاصرة أثبتت أن السيطرة على المجال الجوي لم تعد مرتبطة فقط بإسقاط الطائرات المقاتلة، بل أصبحت تعتمد أيضًا على القدرة على مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة والتهديدات الجوية منخفضة التكلفة بكفاءة واستدامة، وهو المجال الذي تسعى بريطانيا إلى تعزيز موقعها فيه عبر التوسع المستمر في منظومة Martlet.