أخبار: سويسرا تتواصل مع موردي أنظمة دفاع جوي بعد تأخير تسليم Patriot

تواجه منظومة الدفاع الجوي السويسرية تحولاً استراتيجياً لافتاً في عام 2026، مع تصاعد التحديات المرتبطة بتأخر تسليم أنظمة Patriot الأمريكية، ما دفع برن إلى إعادة تقييم خياراتها الدفاعية والبحث عن منظومات إضافية بعيدة المدى لتعزيز قدرات الردع الجوي وحماية المجال السيادي. وتأتي هذه الخطوة في سياق أوروبي أوسع يشهد إعادة تموضع في سوق أنظمة الدفاع الجوي، وتنامي الاعتماد على الحلول الأوروبية البديلة.

وبحسب تقارير دفاعية متخصصة، فإن الحكومة السويسرية تعمل حالياً على دراسة مجموعة من الخيارات تشمل أنظمة من ألمانيا وفرنسا وإسرائيل وكوريا الجنوبية، في إطار تقييم شامل يهدف إلى ضمان استمرارية مظلة الدفاع الجوي متعدد الطبقات، خاصة بعد الضغوط المتزايدة على سلاسل الإمداد الأمريكية نتيجة التزامات دعم عسكري لدول أخرى، وعلى رأسها أوكرانيا.

يمثل نظام Patriot حجر الأساس في طبقة الدفاع الجوي بعيدة المدى ضمن خطة التحديث السويسرية المعروفة ضمن برنامج “Air 2030”. إلا أن التأخيرات المتتالية في تسليم المنظومات، والتي امتدت وفق تقديرات إلى ما بين 2028 و2034، خلقت فجوة حرجة في الجاهزية الدفاعية.

وقد دفعت هذه التأخيرات الحكومة السويسرية إلى تعليق المدفوعات المرتبطة بالعقد وإعادة فتح باب التقييم الاستراتيجي، مع عدم استبعاد خيار إلغاء الصفقة بالكامل، في حال استمرار غياب جدول زمني ملزم من الجانب الأمريكي.

هذا الوضع يعكس تحدياً بنيوياً أوسع في سوق الدفاع العالمي، حيث أصبحت الولايات المتحدة تواجه ضغطاً إنتاجياً متزايداً نتيجة تعدد الطلبات الدولية، ما أثر بشكل مباشر على جداول التسليم للدول الأوروبية المتوسطة الحجم مثل سويسرا.

في ظل هذا الفراغ، برز النظام الأوروبي المشترك SAMP/T الذي تطوره شركة MBDA بالتعاون مع Thales، كأحد أبرز البدائل المطروحة على الطاولة السويسرية. ويُنظر إلى هذا النظام على أنه منافس مباشر لـ Patriot، خاصة في سياق الدفاع الجوي متعدد الطبقات.

وقد عززت فرنسا وإيطاليا من الترويج لنظام SAMP/T NG، الذي يتميز بقدرات محسنة لاعتراض الصواريخ الباليستية والتهديدات الجوية عالية المناورة، إضافة إلى تحسينات في الرادار ونظام القيادة والسيطرة، ما يجعله مناسباً للبيئات القتالية الحديثة.

وتشير المعطيات إلى أن أحد العوامل الحاسمة في التقييم السويسري هو عامل “الزمن”، حيث تُظهر التقديرات الأوروبية أن إمكانية التسليم قد تكون أسرع مقارنة بالبرنامج الأمريكي، وهو عنصر بالغ الأهمية في ظل تزايد التهديدات الجوية في القارة الأوروبية.

تعتمد العقيدة الدفاعية السويسرية الجديدة على بناء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات، تشمل:

- طبقة قصيرة المدى لمكافحة الطائرات بدون طيار والصواريخ التكتيكية

- طبقة متوسطة المدى عبر أنظمة مثل IRIS-T SLM

- طبقة بعيدة المدى تعتمد حالياً على Patriot أو بدائل محتملة مثل SAMP/T

وكانت سويسرا قد وقعت بالفعل عقداً لاقتناء خمس منظومات IRIS-T SLM الألمانية، في إطار مبادرة European Sky Shield Initiative (ESSI)، وهو ما يمثل خطوة أساسية لتعزيز الطبقة المتوسطة من الدفاع الجوي.

هذا التوجه يعكس تحولاً واضحاً نحو التكامل الأوروبي في مجال الدفاع الجوي، وتقليل الاعتماد على مورد واحد خارج القارة.

رغم تمسك سويسرا بسياسة الحياد التاريخية، إلا أن التغيرات الجيوسياسية في أوروبا منذ الحرب في أوكرانيا فرضت إعادة تعريف لمفهوم “الحياد الدفاعي”.

وتسعى برن اليوم إلى امتلاك قدرة ردع جوي حقيقية ضد التهديدات الحديثة، بما في ذلك الصواريخ المجنحة والطائرات بدون طيار، وهو ما لم يعد ممكناً تحقيقه عبر أنظمة تقليدية محدودة القدرات.

كما أن التهديدات الهجينة، بما في ذلك الهجمات السيبرانية والتشويش الإلكتروني، أصبحت جزءاً من حسابات التخطيط العسكري السويسري، ما يعزز الحاجة إلى منظومات دفاع جوي أكثر تكاملاً وذكاءً.

من منظور استراتيجي، يمكن اعتبار الخطوة السويسرية جزءاً من عملية إعادة توزيع موازين القوة في سوق الدفاع الجوي العالمي، حيث تتحول أوروبا تدريجياً من مستورد رئيسي إلى منتج منافس في هذا القطاع.

كما أن دخول أنظمة مثل SAMP/T NG إلى المنافسة المباشرة مع Patriot يعكس تحولاً في فلسفة التصميم العسكري، من الاعتماد على التفوق الكمي إلى التركيز على التكامل الشبكي والمرونة التشغيلية.

وفي المقابل، فإن استمرار التأخيرات الأمريكية قد يؤدي إلى فقدان بعض الأسواق الأوروبية التقليدية لصالح الصناعة الدفاعية الأوروبية، وهو ما قد يعيد تشكيل خريطة التصدير الدفاعي خلال العقد القادم.

تعكس التطورات في سويسرا حالة إعادة تموضع استراتيجية في منظومة الدفاع الجوي الأوروبية، حيث لم تعد القرارات تقتصر على الاعتبارات التقنية فقط، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بعوامل السيادة الصناعية، وسرعة التسليم، والاعتماد الجيوسياسي.

وبينما لا تزال Patriot تمثل معياراً عالمياً في الدفاع الجوي بعيد المدى، فإن صعود البدائل الأوروبية مثل SAMP/T يشير إلى مرحلة جديدة من التنافسية، قد تعيد تشكيل سوق الدفاع الجوي العالمي خلال السنوات المقبلة بشكل أكثر توازناً وتعددية.