أخبار: كوريا الجنوبية تطور راداراً ذكياً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي لمواجهة أسراب الطائرات بدون طيار

تتجه كوريا الجنوبية إلى فتح فصل جديد في سباق الدفاع الجوي والحرب المضادة للطائرات بدون طيار، بعدما كشفت تقارير متخصصة عن تطوير رادار ذكي جديد مدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مصمم خصيصاً لاكتشاف وتعقب وتصنيف الطائرات بدون طيار الصغيرة والأهداف الجوية منخفضة البصمة، في خطوة تعكس القلق المتزايد داخل سيول من التهديدات المرتبطة بالحرب الجوية غير المأهولة، خصوصاً بعد سلسلة الحوادث التي اخترقت فيها طائرات كورية شمالية بدون طيار المجال الجوي الكوري الجنوبي خلال السنوات الأخيرة.

ويمثل المشروع الجديد جزءاً من توجه أوسع داخل كوريا الجنوبية لبناء منظومة دفاع جوي ذكية متعددة الطبقات تعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وتحليل البيانات اللحظي، في ظل إدراك متنامٍ بأن أنظمة الرادار التقليدية لم تعد كافية وحدها للتعامل مع التهديدات الحديثة منخفضة الارتفاع والبصمة الرادارية، خاصة أسراب الطائرات الانتحارية والطائرات التجارية المعدلة التي باتت تشكل تحدياً معقداً حتى للجيوش المتقدمة.

وبحسب التفاصيل المنشورة، يجري تطوير الرادار الجديد بالتعاون بين جهات بحثية وصناعية كورية جنوبية متخصصة في أنظمة الاستشعار والدفاع الجوي، مع التركيز على دمج خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل الإشارات الرادارية بصورة أسرع وأكثر دقة من الأنظمة التقليدية. ويُتوقع أن يتمكن النظام من التمييز بين الطائرات بدون طيار والأجسام الطائرة الأخرى مثل الطيور أو التشويش البيئي، وهي واحدة من أكثر المشكلات التي تواجه منظومات الكشف منخفضة الارتفاع حول العالم.

ويستند المشروع الجديد إلى شراكة متقدمة بين شركة Blighter Surveillance Systems البريطانية المتخصصة في الرادارات الأرضية منخفضة الارتفاع، وشركة JoongAng Advanced Materials الكورية الجنوبية العاملة في مجالات تكامل الذكاء الاصطناعي والأنظمة الدفاعية الذكية. وتركز الشراكة بصورة أساسية على تطوير قدرات مكافحة الطائرات بدون طيار وتعزيز مراقبة البنية التحتية والمنشآت الحساسة، خاصة في المناطق الحدودية شديدة التوتر مع كوريا الشمالية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية لأن شركة Blighter أكدت أن أكثر من 100 رادار من أنظمتها يعمل بالفعل مع الجيش الكوري الجنوبي على امتداد المنطقة الكورية منزوعة السلاح (DMZ)، التي تمتد لنحو 240 كيلومتراً بين الكوريتين، ما يعني أن المشروع لا يتعلق بتجارب أولية أو اختبارات محدودة، بل بتحديث مباشر لمنظومة مراقبة حدودية عاملة ضمن واحدة من أكثر المناطق العسكرية توتراً وتعقيداً في العالم. ويهدف دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي الكورية الجنوبية داخل هذه الشبكة إلى تحسين قدرات تصنيف الأهداف وتقليل الإنذارات الكاذبة ورفع مستوى الأتمتة في كشف وتعقب الطائرات بدون طيار الصغيرة والمنخفضة الارتفاع.

ومن الناحية العسكرية، يمثل هذا التطور تحولاً مهماً في طبيعة مراقبة المنطقة المنزوعة السلاح. فبدلاً من الاعتماد على الرصد البشري التقليدي أو التحليل اليدوي للبيانات الرادارية، ستصبح الأنظمة الجديدة قادرة على تحليل الحركة الجوية لحظياً وتمييز الطائرات بدون طيار عن الطيور أو الأهداف المدنية أو التشويش البيئي بصورة أسرع وأكثر دقة. كما أن تشغيل هذه التقنيات على الحدود مع كوريا الشمالية يمنح سيول بيئة عمليات حقيقية لاختبار قدرات الذكاء الاصطناعي الدفاعي تحت ضغط أمني دائم.

وتكمن الأهمية الحقيقية لهذا المشروع في أنه لا يركز فقط على “رؤية” الهدف، بل على فهم سلوكه وتحليله لحظياً. فالذكاء الاصطناعي داخل المنظومة الجديدة لن يقتصر دوره على معالجة البيانات الرادارية الخام، وإنما سيمتد إلى تصنيف نوع الهدف وتقدير مستوى التهديد ومسار الحركة واحتمالية السلوك العدائي، بما يسمح بتقليص زمن الاستجابة بصورة كبيرة. وهذا التحول يعكس انتقال الرادارات الحديثة من مجرد أدوات استشعار إلى منصات تحليل واتخاذ قرار شبه ذاتي داخل بيئات القتال المعقدة.

وتأتي هذه الخطوة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لكوريا الجنوبية، التي أصبحت تواجه تهديداً متنامياً من الطائرات بدون طيار الكورية الشمالية. ففي السنوات الأخيرة، شهدت شبه الجزيرة الكورية عدة حوادث اختراق لطائرات استطلاع صغيرة بدون طيار، بعضها تمكن من الوصول إلى عمق المجال الجوي الكوري الجنوبي دون اعتراض فوري، وهو ما أثار انتقادات حادة داخل سيول بشأن جاهزية منظومات الدفاع الجوي التقليدية أمام الأهداف الصغيرة والبطيئة والمنخفضة الارتفاع.

وقد شكلت حادثة ديسمبر 2022 تحديداً نقطة تحول رئيسية في العقيدة الدفاعية الكورية الجنوبية، بعدما عبرت عدة طائرات كورية شمالية بدون طيار الحدود ووصل بعضها إلى محيط العاصمة سيول، في واقعة اعتُبرت إحراجاً عسكرياً كبيراً للمؤسسة الدفاعية الكورية الجنوبية. ومنذ ذلك الوقت، بدأت الحكومة الكورية الجنوبية ضخ استثمارات ضخمة في برامج مكافحة الطائرات بدون طيار، بما يشمل الرادارات الذكية وأسلحة الليزر وأنظمة التشويش والحرب الإلكترونية والطائرات الاعتراضية غير المأهولة.

ويكشف المشروع أيضاً عن تحول أوسع في فلسفة الدفاع الجوي العالمية. فالجيوش الحديثة باتت تدرك أن التهديد الأكبر لم يعد دائماً من الطائرات المقاتلة التقليدية أو الصواريخ الباليستية فقط، بل من الأهداف الصغيرة والرخيصة التي يمكن إطلاقها بأعداد ضخمة لإرباك الدفاعات الجوية واستنزافها. وقد أثبتت الحرب الروسية الأوكرانية بصورة خاصة أن الطائرات بدون طيار منخفضة التكلفة يمكنها إحداث تأثيرات استراتيجية هائلة مقارنة بثمنها المحدود.

وفي هذا السياق، أصبحت الرادارات التقليدية تواجه معضلة حقيقية، لأنها صُممت أساساً لاكتشاف الطائرات الكبيرة أو الصواريخ السريعة، بينما يصعب عليها أحياناً التعامل مع أهداف صغيرة وبطيئة ذات بصمة حرارية ورادارية محدودة. ولهذا، تتجه عدة دول حالياً نحو دمج الذكاء الاصطناعي داخل أنظمة الاستشعار لتحسين القدرة على التمييز والتصنيف وتقليل الإنذارات الكاذبة.

ومن الناحية التقنية، يبدو أن كوريا الجنوبية تحاول تطوير منظومة يمكن دمجها مستقبلاً ضمن شبكة أوسع تشمل:

- رادارات قصيرة ومتوسطة المدى

- كاميرات حرارية وكهروبصرية

- أنظمة تشويش إلكتروني

- أسلحة ليزر عالية الطاقة

- مدافع أو صواريخ اعتراض قصيرة المدى

لكن العنصر الأهم هنا هو أن الذكاء الاصطناعي سيكون “العقل المركزي” الذي ينسق بين هذه الطبقات المختلفة ويحدد أولوية التهديدات بصورة أسرع من العنصر البشري التقليدي.

كما يحمل المشروع أبعاداً صناعية واقتصادية مهمة. فالصناعات الدفاعية الكورية الجنوبية أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أسرع الصناعات العسكرية نمواً في العالم، مع توسع صادراتها في مجالات الدبابات والطائرات والمدفعية ومنظومات الدفاع الجوي. والآن يبدو أن سيول تسعى بقوة لدخول سوق الأنظمة الذكية المضادة للطائرات بدون طيار، وهو قطاع يتوقع أن يشهد نمواً هائلاً خلال العقد المقبل مع تصاعد تهديدات الدرونات عالمياً.

ومن المرجح أن تستفيد الشركات الكورية الجنوبية من عاملين رئيسيين في هذا المجال: الأول هو الخبرة التكنولوجية المدنية الضخمة التي تمتلكها كوريا الجنوبية في مجالات الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات والاتصالات، والثاني هو الضغط الأمني المستمر الناتج عن التهديد الكوري الشمالي، والذي يدفع سيول إلى اختبار وتطوير تقنيات دفاعية بوتيرة أسرع من كثير من الدول الأخرى.

كما أن المشروع الكوري الجنوبي يعكس اتجاهاً عالمياً أوسع نحو “أتمتة الدفاع الجوي”، حيث لم تعد السرعة البشرية كافية لاتخاذ القرار في مواجهة أسراب الطائرات الصغيرة والهجمات متعددة الاتجاهات. ولذلك، تتجه القوى العسكرية الكبرى إلى بناء أنظمة دفاعية تعتمد بصورة متزايدة على الخوارزميات والتحليل اللحظي والذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات الكشف والتعقب وحتى الاشتباك.

وفي المقابل، يثير هذا التطور أيضاً تساؤلات استراتيجية وأخلاقية متزايدة حول مستقبل أنظمة القتال الذاتية ودور الذكاء الاصطناعي في قرارات الاشتباك العسكري. فكلما ازدادت قدرة الأنظمة على اتخاذ القرار بصورة مستقلة، ازدادت المخاوف من أخطاء التصنيف أو الاستجابة غير المقصودة داخل البيئات المدنية أو المعقدة.

ومع ذلك، يبدو واضحاً أن الاتجاه العالمي يسير بسرعة نحو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كعنصر أساسي في الدفاع الجوي الحديث، خصوصاً في مواجهة الطائرات بدون طيار. وفي هذا السياق، تحاول كوريا الجنوبية أن تضع نفسها مبكراً ضمن الدول الرائدة في هذا القطاع، ليس فقط لتأمين مجالها الجوي، بل أيضاً لبناء قاعدة صناعية تصديرية قوية في سوق دفاعي مرشح للنمو بصورة هائلة خلال السنوات المقبلة.

وفي المحصلة، فإن الرادار الكوري الجنوبي الجديد لا يمثل مجرد نظام كشف تقني إضافي، بل يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة الحرب الجوية الحديثة، حيث باتت المعركة تدور بصورة متزايدة بين الخوارزميات وأسراب الطائرات الذكية، وليس فقط بين الطائرات المقاتلة التقليدية ومنظومات الدفاع الجوي الكلاسيكية.