في خطوة تعكس تسارع وتيرة التسلح النوعي في القارة العجوز، أعلنت شركة HENSOLDT الألمانية، الرائدة عالمياً في مجال المستشعرات والإلكترونيات الدفاعية، عن حصولها على طلبيات ضخمة تتجاوز قيمتها 100 مليون يورو لتوريد أنظمة رادارية عالية الأداء لصالح عدد من الدول الأوروبية. تأتي هذه الصفقات كجزء حيوي من مبادرة درع السماء الأوروبي (European Sky Shield Initiative - ESSI) التي تقودها ألمانيا، وتهدف إلى بناء مظلة دفاع جوي متكاملة وموحدة لحماية الأجواء الأوروبية من التهديدات المتزايدة.
وتقضي العقود الجديدة، التي تم إبرامها بالتعاون مع شركة Diehl Defence، بتوريد رادارات من طراز TRML-4D المتطورة، وهي العمود الفقري لنظام الدفاع الجوي الشهير IRIS-T SLM. ولا تقتصر هذه الصفقات على توريد الأجهزة فحسب، بل تشمل حزماً متكاملة للصيانة والدعم الفني والتدريب، مما يضمن استدامة العمليات الدفاعية للدول المستفيدة في ظل البيئة الأمنية المتوترة التي تشهدها القارة.
يعتبر رادار TRML-4D قمة ما توصلت إليه تكنولوجيا الرادارات الأرضية متوسطة المدى. يعتمد النظام على تقنية مصفوفة المسح الإلكتروني النشط (Active Electronically Scanned Array - AESA) القائمة على نتريد الغاليوم (GaN)، مما يمنحه قدرة فائقة على كشف وتتبع الأهداف ذات المقطع الراداري الصغير جداً.
ووفقاً للبيانات التقنية لشركة HENSOLDT، يستطيع الرادار تتبع حوالي 1500 هدف في آن واحد، بمدى كشف يصل إلى 250 كيلومتراً وارتفاع يصل إلى 30 كيلومتراً. وتتجلى براعة هذا النظام في قدرته العالية على تصنيف التهديدات بدقة متناهية، سواء كانت طائرات مقاتلة، أو مروحيات، أو صواريخ كروز المجنحة، وحتى الطائرات المسيرة (Drones) والصواريخ الباليستية قصيرة المدى، مما يمنح وحدات الدفاع الجوي وقتاً حاسماً لاتخاذ القرار والاشتباك.
تأتي هذه الطلبيات الجديدة لترفع رصيد HENSOLDT من الرادارات المتعاقد عليها ضمن مبادرة ESSI إلى أكثر من 150 راداراً من طرازات مختلفة. ويعكس هذا الرقم الثقة الكبيرة التي توليها الحكومات الأوروبية لهذه التقنية الألمانية، خاصة بعد الأداء الاستثنائي الذي أظهره نظام TRML-4D في مسارح العمليات الحقيقية، لاسيما في أوكرانيا، حيث أثبت كفاءة منقطعة النظير في التصدي للهجمات الصاروخية المعقدة.
وصرح ماركوس روثماير، رئيس قطاع الرادارات البحرية والبرية في HENSOLDT، قائلاً: "هناك طلب هائل ومكبوت على أنظمة الدفاع الجوي في أوروبا. التهديدات الجوية اليوم أصبحت أكثر تعقيداً وتنوعاً مما كانت عليه قبل سنوات قليلة، ونحن نعمل من خلال تقنياتنا على سد هذه الفجوات بكفاءة عالية".
تحمل هذه الصفقة أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد بيع معدات عسكرية؛ فهي تمثل انتقالاً فعلياً نحو مفهوم "الدفاع المحدد بالبرمجيات" (Software-Defined Defence). فأنظمة HENSOLDT مصممة لتكون قابلة للتحديث البرمجي المستمر، مما يسمح لها بالتكيف مع التهديدات السيبرانية والوسائل المتطورة للإعاقة الإلكترونية دون الحاجة لتغيير المكونات الصلبة للنظام.
استراتيجياً، تساهم هذه الصفقات في تعزيز مفهوم "الترابط العملياتي" (Interoperability) بين الجيوش الأوروبية. فاعتماد عدة دول على نفس المنظومة الرادارية (TRML-4D) وتحت مظلة نظام IRIS-T SLM يعني سهولة تبادل البيانات الاستخباراتية واللوجستية، وخلق صورة جوية موحدة (Common Air Picture) تمتد من البلطيق إلى البلقان، وهو ما تفتقر إليه القارة منذ انتهاء الحرب الباردة.
تضع هذه الصفقات شركة HENSOLDT في موقع مهيمن ضمن سوق الرادارات العالمي، وتكرس تفوق التكنولوجيا الأوروبية (والألمانية تحديداً) في مواجهة المنافسة الشرسة من الشركات الأمريكية والآسيوية. ومن المتوقع أن تؤدي هذه الطلبيات المتلاحقة إلى:
- إعادة تشكيل سلاسل التوريد: أعلنت الشركة بالفعل عن خطط لتوسيع طاقتها الإنتاجية، بما في ذلك إنشاء موقع "Ulm 2" لزيادة وتيرة تصنيع الرادارات لتصل إلى 30 وحدة سنوياً، مع طموح للوصول إلى 1000 رادار (بمختلف الأنواع) سنوياً بحلول عام 2027. هذا التوسع يعزز من دور ألمانيا كقاعدة صناعية دفاعية مركزية في أوروبا.
- تحفيز الابتكار في أنظمة الاستشعار: نجاح TRML-4D يدفع المنافسين لتطوير رادارات AESA أكثر تعقيداً، كما يسرع من دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعرف على الأهداف، وهو ما بدأت HENSOLDT بالفعل في اختباره لزيادة سرعة الاستجابة وتقليل الخطأ البشري.
- نمو قطاع الدفاع الجوي متوسط المدى: السوق العالمي يشهد تحولاً من التركيز الحصري على الدفاع الباليستي الاستراتيجي إلى الأنظمة التكتيكية المتوسطة والقادرة على التصدي للدرونات، وهو الميدان الذي تتصدره اليوم HENSOLDT بمنتجاتها.
تمثل هذه العقود الجديدة لشركة HENSOLDT شهادة استحقاق للابتكار الدفاعي الألماني، وتؤكد أن تأمين السماء الأوروبية في القرن الحادي والعشرين سيعتمد بشكل أساسي على قدرة المستشعرات الذكية على كشف ما لا يمكن رؤيته، والربط بين الحلفاء في شبكة دفاعية لا تعرف الثغرات.