في لحظة فارقة لتاريخ الصناعات الدفاعية الإسبانية، أعلنت شركة Lockheed Martin الأمريكية عن بدء المرحلة التنفيذية لتوطين تصنيع مكونات حيوية لصاروخ الاعتراض الأكفأ عالمياً PAC-3 Missile Segment Enhancement (MSE). وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من التفاهمات الاستراتيجية والتعاقدات التي رسمت ملامحها في عام 2024، لتدخل حيز التنفيذ الفعلي في يناير 2026، محولةً إسبانيا من مجرد مشغل لمنظومة Patriot إلى مساهم فاعل في سلسلة التوريد العالمية لهذا السلاح الاستراتيجي.
شهد العشرين من يناير 2026 مراسم التوقيع الرسمية في مدريد، حيث منحت Lockheed Martin أمراً بالشراء (Purchase Order) لشركة Tecnobit التابعة لمجموعة Grupo Oesía، لبدء إنشاء خط إنتاج متخصص للكابلات والضفائر الإلكترونية فائقة التعقيد الخاصة بصاروخ PAC-3 MSE. ولا تتوقف الشراكة عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل شركة Sener الإسبانية، التي شرعت في وضع حجر الأساس للمبنى رقم 10 في منشآتها بمدينة "تريس كانتوس"، وهو المرفق الذي أُطلق عليه اسم "مبنى باتريوت" (Patriot Building)، والمخصص لتصميم وتطوير مشغلات التحكم (Actuators) الصاروخية.
تأتي هذه التحركات الصناعية تنفيذاً لصفقة اقتناء إسبانيا لأنظمة Patriot Configuration 3+، والتي قدرت قيمتها الإجمالية بنحو 2.8 مليار دولار أمريكي، وشملت شراء 51 صاروخاً من طراز PAC-3 MSE و24 منصة إطلاق M903، بالإضافة إلى رادارات AN/MPQ-65 ومراكز تحكم متطورة.
يعد صاروخ PAC-3 MSE قمة التطور في عائلة صواريخ الباتريوت، حيث يعتمد على تكنولوجيا "الضرب للقتل" (Hit-to-Kill)، والتي تعني تدمير الهدف المعادي من خلال الاصطدام المباشر (Body-to-Body Contact) بدلاً من الانفجار الشظوي التقليدي. ويتميز هذا الإصدار بـ:
- المحرك الصاروخي: محرك صلب ثنائي النبض (Dual-pulse solid rocket motor) يمنحه سرعة ومناورة فائقة في الارتفاعات العالية.
- القدرة الاعتراضية: صُمم خصيصاً لمواجهة التهديدات الأكثر تعقيداً، بما في ذلك الصواريخ الباليستية التكتيكية، والصواريخ الجوالة (Cruise Missiles)، والأسلحة الفرط صوتية (Hypersonics) التي باتت تشكل التحدي الأكبر للدفاعات الجوية الحديثة.
- المرونة الميدانية: بفضل حجمه الأصغر مقارنة بالإصدارات القديمة، يمكن لمنصة الإطلاق الواحدة حمل عدد أكبر من الصواريخ، مما يزيد من كثافة النيران الدفاعية.
تتجاوز هذه الصفقة الأبعاد التجارية لتصل إلى عمق الأمن القومي الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (NATO). فمن خلال انضمام إسبانيا كدولة رقم 16 في نادي مستخدمي PAC-3، فإنها تعزز من قدرة "التشغيل البيني" (Interoperability) مع القوات الأمريكية والحلفاء في القارة العجوز.
استراتيجياً، يمثل توطين التصنيع في إسبانيا استجابة لـ "أزمة سلاسل التوريد" التي كشفت عنها النزاعات الأخيرة في أوروبا. فوجود مراكز تصنيع للمكونات الحيوية (مثل الكابلات والمشغلات) في مدريد يضمن استمرارية الإنتاج حتى في حالات الأزمات العالمية، ويخفف الضغط على المصانع الأمريكية. كما أن إسبانيا، بتطويرها لهذه القدرات، تخرج من عباءة "المشتري" لتصبح "شريكاً تكنولوجياً" يمتلك صوتاً مسموعاً في تطوير العقيدة الدفاعية الجوية للحلف.