في استجابة استراتيجية سريعة للدروس القاسية التي فرضتها ساحات القتال الحديثة، حيث أصبحت الطائرات بدون طيار الرخيصة تمثل تهديداً وجودياً للمعدات العسكرية الباهظة، أعلنت شركة BAE Systems البريطانية العملاقة عن توقيع مذكرة تفاهم (MoU) تاريخية مع شركة Frankenburg Technologies الإستونية المتخصصة في الابتكارات الدفاعية المزعزعة. تهدف هذه الشراكة، التي كُشف عنها في 24 فبراير 2026، إلى تطوير وإنتاج جيل جديد من أنظمة الدفاع ضد الطائرات المسيرة (Counter-Uncrewed Aerial Systems - C-UAS) تعتمد على مبدأ "الكم والكفاءة الاقتصادية".
يأتي هذا التعاون ليعالج الفجوة الحرجة في موازين القوى الدفاعية؛ فبينما تُكلف المسيرات الانتحارية بضعة آلاف من الدولارات، كانت الجيوش تضطر لاستخدام صواريخ اعتراضية تكلف الملايين. ومن هنا، تسعى BAE Systems من خلال خبرتها الصناعية الهائلة، و Frankenburg Technologies من خلال رشاقتها التقنية، إلى إنتاج صواريخ اعتراضية يمكن تصنيعها بكميات ضخمة وبتكلفة زهيدة جداً مقارنة بالأنظمة التقليدية.
يتركز جوهر الاتفاقية على دمج الخبرات المتراكمة لشركة BAE Systems في مجال المتفجرات وتصميم الرؤوس الحربية (Warheads) مع تكنولوجيا الصواريخ المبتكرة التي تطورها Frankenburg Technologies. تركز التجارب الأولية على صاروخ MARK I، الذي يوصف بأنه "أصغر صاروخ موجه في العالم"، والمصمم خصيصاً لاصطياد المسيرات في الطبقات الجوية الدنيا.
وفقاً للتفاصيل الفنية المتاحة في فبراير 2026، ستتولى BAE Systems عبر قطاعها المتخصص Maritime & Land Defence Solutions تسريع وتيرة تطوير الرؤوس الحربية الفتاكة والمحسنة لهذه الصواريخ، بينما توفر Frankenburg Technologies هيكل الصاروخ ونظام الدفع المبتكر الذي يتميز بسهولة الإنتاج وسرعة النشر. الهدف النهائي هو الوصول إلى طاقة إنتاجية تصل إلى 10,000 وحدة سنوياً، مما يسمح للجيوش ببناء "جدار ناري" من الصواريخ الاعتراضية القادرة على مواجهة أسراب المسيرات الكثيفة دون استنزاف الميزانيات القومية.
تمثل هذه الصفقة تحولاً استراتيجياً عميقاً في عقيدة الدفاع الجوي العالمية. لسنوات طويلة، كانت العقيدة العسكرية الغربية تركز على "الجودة فوق الكمية"، مما أدى إلى إنتاج أنظمة دفاع جوي بالغة التعقيد مثل Patriot أو Aster. إلا أن حروب العقد الحالي أثبتت أن "الكمية لها جودة خاصة بها"، خاصة عند التعامل مع آلاف المسيرات الرخيصة.
استراتيجياً، تمنح هذه الشراكة المملكة المتحدة وحلفاءها في الناتو قدرة "الردع الاقتصادي". فبواسطة صواريخ Frankenburg الموجهة، يصبح من غير المجدي للعدو إرسال مسيرات انتحارية إذا كانت تكلفة الصاروخ الاعتراضي تقترب من تكلفة المسيرة نفسها. إن هذا التحالف يعيد رسم مفهوم "السيادة الوطنية" للدول الصغيرة والمتوسطة، حيث تتيح هذه التكنولوجيا لإستونيا ودول البلطيق، ومن خلفهم القوى العظمى، بناء ترسانة دفاعية "موزعة وكثيفة" يصعب اختراقها أو استنزافها بالوسائل التقليدية.
سيكون لهذا التحالف بين BAE Systems و Frankenburg Technologies تأثيرات كبيرة على سوق الدفاع العالمي، ويمكن تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسية:
- ظهور قطاع "الدفاع الجوي منخفض التكلفة": سيؤدي نجاح هذا النموذج إلى دفع شركات أخرى مثل Raytheon أو Rheinmetall إلى تسريع برامجها للأسلحة الرخيصة. السوق لن يكتفي بعد الآن بالحلول المتطورة الباهظة، بل سيبحث عن "الكفاءة القتالية لكل دولار".
- تمكين الشركات الناشئة (SMEs): يثبت هذا التعاون أن عمالقة الدفاع (Primes) لم يعد بإمكانهم الابتكار بمفردهم؛ فهم بحاجة إلى "الرشاقة الرقمية" للشركات الناشئة. هذا سيفتح الباب لموجة من الاندماجات والاستحواذات بين الشركات الكبرى والشركات التكنولوجية الصغيرة المبتكرة في مجالات الذكاء الاصطناعي والصواريخ المصغرة.
- تغيير معايير المشتريات العسكرية: ستبدأ وزارات الدفاع حول العالم في إدراج "قابلة الإنتاج الضخم" (Mass-Producibility) كشرط أساسي في مناقصات الصواريخ. الصفقات المستقبلية لن تُقاس فقط بمدى الصاروخ ودقته، بل بقدرة المصنع على شحن آلاف الوحدات في أسابيع قليلة لمواجهة حالات الطوارئ.
إن الشراكة التي أُعلنت في فبراير 2026 بين BAE Systems و Frankenburg Technologies هي اعتراف رسمي بأن مستقبل الحرب قد تغير. إن القدرة على إنتاج "صواريخ ذكية للجميع" وبتكلفة زهيدة هي السلاح السري الجديد الذي سيحدد من يسيطر على الأجواء في الصراعات القادمة.