أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية بالتعاون مع وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية (MDA)، عن بدء سلسلة من الاختبارات الميدانية الحية لمنظومة الاعتراض من الجيل القادم Arrow 4 (المعروفة بـ Hetz 4). يمثل هذا النظام الذروة التكنولوجية لبرنامج "حيتس" المشترك، المصمم ليكون الدرع الواقي ضد التهديدات الصاروخية الأكثر تطوراً في العالم، بما في ذلك الصواريخ الجوالة فرط الصوتية (Hypersonic Cruise Missiles) والرؤوس الحربية ذات المناورة العالية التي تسعى القوى الإقليمية، وعلى رأسها إيران، لامتلاكها لكسر التوازن الدفاعي الراهن.
تعتبر منظومة Arrow 4، التي تطورها شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية (Israel Aerospace Industries - IAI) بالتعاون مع العملاق الأمريكي Boeing، قفزة نوعية تتجاوز قدرات سلفيها Arrow 2 و Arrow 3. وتتميز المنظمة بمجموعة من الخصائص الفنية الفريدة:
- قدرة "Shoot-Look-Shoot": يتيح النظام الجديد للمشغلين إطلاق صاروخ اعتراض، وتقييم الإصابة في جزء من الثانية عبر رادارات متطورة، ثم إطلاق صاروخ ثانٍ فوراً إذا لزم الأمر. هذه الدورة السريعة تضمن "صفر تسريب" (Zero Leakage) في مواجهة الرشقات الصاروخية المكثفة.
- الاعتراض المزدوج: على عكس Arrow 3 المصمم للاعتراض خارج الغلاف الجوي (Exo-atmospheric)، يمتلك Arrow 4 القدرة على العمل بكفاءة عالية داخل وخارج الغلاف الجوي، مما يجعله قادراً على ملاحقة الأهداف التي تغير مساراتها فجأة عند دخولها الطبقات العليا للجو.
- توجيه مدعوم بالذكاء الاصطناعي: تم تزويد الصاروخ بباحث (Seeker) متطور يعتمد على خوارزميات التعلم الآلي لتمييز الرؤوس الحربية الحقيقية عن الشراك الخداعية (Decoys) في بيئات التشويش الإلكتروني الكثيف.
أكد "بوعز ليفي"، الرئيس التنفيذي لشركة IAI، أن Arrow 4 ليس مجرد تحديث، بل هو إعادة تصميم شاملة تهدف إلى استبدال منظومة Arrow 2 المتقادمة، وتوفير طبقة حماية لا يمكن اختراقها ضد صواريخ "الوعد الصادق" الإيرانية بنسخها المستقبلية.
تمثل هذه الصفقة والتطور التقني المرافق لها دلالات استراتيجية تتجاوز الحدود الجغرافية:
أولاً: إبطال مفعول "السلاح المعجز" الإيراني
راهنت طهران في استراتيجيتها الأخيرة على الصواريخ فرط الصوتية (مثل Fattah) كأداة لكسر التفوق الإسرائيلي. إن ظهور Arrow 4 في هذا التوقيت هو رد مباشر يهدف إلى استعادة "توازن الردع" (Deterrence Balance). من خلال امتلاك القدرة على اعتراض الصواريخ التي تتجاوز سرعتها 5 أضعاف سرعة الصوت، تسحب إسرائيل "ورقة القوة" الأساسية من يد خصومها، مما يجبرهم على إعادة حساب كلفة أي مواجهة مباشرة.
ثانياً: تعزيز "التحالف الصاروخي" مع واشنطن
استمرار التمويل والتطوير المشترك مع الولايات المتحدة يرسخ دور إسرائيل كـ "مختبر ميداني" لأحدث تقنيات الدفاع الصاروخي الأمريكية. هذا التعاون يمنح واشنطن بيانات حقيقية عن كيفية مواجهة الأسلحة الروسية والصينية التي قد تصل إلى أيدي أطراف إقليمية، بينما تحصل إسرائيل على مظلة تقنية وتمويلية تضمن بقاءها متفوقة بـ "جيل كامل" على محيطها.
ثالثاً: حماية العمق الاستراتيجي والبنية التحتية
في ظل تزايد الاعتماد على حقول الغاز البحرية ومنشآت التحلية، يصبح Arrow 4 ضرورة أمنية قومية وليس مجرد ترف عسكري. القدرة على تدمير الصواريخ الباليستية بعيداً عن المراكز السكانية تمنح القيادة السياسية مساحة أكبر للمناورة دون الوقوع تحت ضغط الضحايا المدنيين أو انهيار الخدمات الحيوية.
نجاح Arrow 4 سيدفع القوى المنافسة (مثل الصين وروسيا) لتطوير جيل جديد من الصواريخ الباليستية "المراوغة"، مما يضمن استمرار نمو الإنفاق العسكري العالمي في قطاع الصواريخ والصواريخ المضادة. هذا السباق سيخلق طلباً عالمياً هائلاً على تقنيات "القتل بالاصطدام المباشر" (Hit-to-Kill)، وهو المجال الذي تهيمن عليه الآن IAI و Lockheed Martin.
بعد صفقة Arrow 3 التاريخية مع ألمانيا بقيمة 4 مليارات دولار، يتجه الاهتمام الأوروبي الآن نحو Arrow 4. إن حاجة أوروبا لحماية نفسها من التهديدات الروسية المتطورة تجعل من هذه المنظومة الخيار الأكثر جاذبية، مما قد يؤدي إلى تآكل حصة منظومات مثل Patriot PAC-3 الأمريكية في السوق الأوروبية لصالح التحالف الإسرائيلي-الأمريكي الجديد.
ستجبر نجاحات Arrow 4 شركات الدفاع العالمية (مثل Raytheon و Thales) على إعادة هيكلة أقسام البحث والتطوير لديها لتركز بشكل أساسي على "الخوارزميات التنبؤية". سيصبح الذكاء الاصطناعي هو "المنتج" الحقيقي في صفقات السلاح، وليس فقط الصاروخ ككتلة صلبة، مما سيغير معايير تقييم الأنظمة الدفاعية في المناقصات الدولية القادمة.