في خطوة استراتيجية تعكس رغبة القارة العجوز في التحرر من التبعية التقنية للقوى العظمى، أطلق الاتحاد الأوروبي في يناير 2026، مشروعاً طموحاً لتطوير طائرة قتالية خفيفة متعددة المهام تعتمد على تكنولوجيا التخفي (Stealth Technology).
هذا المشروع، الذي يندرج ضمن مبادرات التعاون الدفاعي الدائم (PESCO)، لا يستهدف بناء طائرة تقليدية، بل يهدف إلى خلق منصة "اقتصادية وشبحية" قادرة على تنفيذ مهام معقدة في بيئات العدائيات المرتفعة دون الحاجة إلى التكاليف الباهظة لمقاتلات الجيل الخامس الثقيلة.
تفاصيل المشروع: تكنولوجيا الجيل الخامس في هيكل "رشيق"
يرتكز المشروع الأوروبي، الذي تقوده تحالفات تقنية تضم شركات كبرى مثل Airbus Defence and Space و Leonardo وبالتعاون مع مختبرات الأبحاث الدفاعية الأوروبية، على دمج تقنيات متطورة تجعل من هذه الطائرة الخفيفة رقماً صعباً في معادلة الجو:
- بصمة رادارية منخفضة (Low Radar Cross-Section): تم تصميم الهيكل باستخدام مواد مركبة (Composite Materials) متطورة قادرة على امتصاص موجات الرادار، مع اعتماد تصميم هندسي يشتت الانعكاسات الرادارية، مما يمنحها قدرة "الاختفاء" عن شاشات الدفاع الجوي التقليدية.
- المحرك والسرعة: تعتمد الطائرة على محرك توربيني مروحي عالي الكفاءة يوفر بصمة حرارية (Infrared Signature) منخفضة جداً، مما يجعل تعقبها بواسطة الصواريخ الحرارية أمراً في غاية الصعوبة.
- إلكترونيات الطيران والهندسة الرقمية: سيتم تجهيز الطائرة برادار مصفوفة المسح الإلكتروني النشط (AESA) مصغر، ونظام استشعار كهروبصري متطور يسمح للطاقم برصد الأهداف وتدميرها من مسافات آمنة (Stand-off capability).
- مفهوم "الزميل الطيار" (Loyal Wingman): صُممت هذه الطائرة لتكون قادرة على العمل بشكل مستقل أو كمنصة تحكم في أسراب من الدرونات المسيرة، مما يضاعف من قوتها النارية دون تعريض الطيارين للخطر.
يمثل هذا المشروع تحولاً جذرياً في العقيدة الدفاعية الأوروبية والعالمية، ويمكن قراءة دلالاته من خلال المحاور التالية:
- تداول التكنولوجيا الشبحية: لسنوات طويلة، كانت تكنولوجيا التخفي حكراً على الطائرات الاستراتيجية باهظة الثمن مثل F-35 و B-21 Raider. التوجه الأوروبي نحو طائرة "خفيفة وشبحية" يعني إتاحة هذه القدرة للدول ذات الميزانيات المتوسطة، مما يغير موازين القوى الإقليمية.
- الاستقلالية الاستراتيجية: يسعى الاتحاد الأوروبي عبر هذا المشروع إلى تأمين بديل محلي لمقاتلة F-35 الأمريكية، وضمان امتلاك مفاتيح التكنولوجيا الخاصة به، بعيداً عن قيود التصدير أو "التحكم عن بُعد" في البرمجيات التي تفرضها واشنطن.
- المرونة العملياتية: هذه الطائرات تمتاز بتكاليف تشغيل منخفضة وقدرة على الإقلاع من مدارج قصيرة أو غير مجهزة، مما يجعلها مثالية للنزاعات المحدودة ومهام الاستطلاع المسلح والاعتراض السريع.
تعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر المناطق ترقباً لهذا النوع من التكنولوجيا، وسيكون لهذه الطائرة تأثيرات عميقة عند دخولها سوق التصدير:
- تغيير معادلة التسلح في شمال أفريقيا: بالنسبة لدول مثل المغرب وتونس والجزائر، تمثل طائرة شبحية خفيفة خياراً مثالياً. فالمغرب، الذي يمتلك علاقات قوية مع إسبانيا وفرنسا، قد يجد في هذه الطائرة مكملاً مثالياً لأسطول F-16 Viper، مما يمنحه تفوقاً نوعياً في مهام الاختراق العميق دون رصده.
* تحييد أنظمة الدفاع الجوي الإقليمية: انتشار الطائرات الشبحية "الاقتصادية" سيجعل من أنظمة الدفاع الجوي المتوسطة والقديمة التي تعتمد عليها بعض دول المنطقة أنظمة متجاوزة، مما سيدفع نحو سباق تسلح جديد في مجال الرادارات السلبية (Passive Radars) وأنظمة الرصد الكهروبصرية.
- خيار استراتيجي لدول الخليج: بالنسبة للقوى الجوية الكبرى مثل السعودية، توفر هذه الطائرة فرصة لتنويع مصادر التكنولوجيا الشبحية بعيداً عن الضغوط السياسية المرتبطة بمقاتلات الجيل الخامس الأمريكية، كما أنها تصلح كطائرة تدريب متقدم وقتال خفيف قادرة على التعامل مع التهديدات غير التقليدية (مثل الدرونات والصواريخ الجوالة).
إن مشروع الطائرة الشبحية الخفيفة الأوروبي ليس مجرد إضافة تقنية، بل هو "بيان سياسي" يؤكد أن عصر احتكار التخفي قد انتهى. نحن أمام جيل جديد من الطائرات التي ترفع شعار "أكثر ذكاءً، أقل كلفة، وأصعب رصداً".