في خطوة استراتيجية تعكس إصرار المجمع الصناعي الدفاعي الروسي على استدامة الزخم العملياتي، أعلنت شركة United Aircraft Corporation (UAC)، المنضوية تحت لواء عملاق الدفاع الروسي Rostec، عن تسليم دفعة جديدة من المقاتلات متعددة المهام من طراز Su-35S إلى وزارة الدفاع الروسية في شهر أبريل من عام 2026. وتأتي هذه الخطوة لتعزيز قدرات القوات الجوية الفضائية الروسية (VKS) في فرض السيطرة الجوية وتوسيع نطاق الضربات بعيدة المدى، في وقت يتصاعد فيه التوتر الجيوسياسي وتزداد فيه الحاجة إلى تعويض الاستهلاك العملياتي للطائرات المقاتلة.
تم إنتاج هذه الطائرات في مصنع Komsomolsk-on-Amur Aircraft Plant (KnAAZ) الواقع في الشرق الأقصى الروسي، وهو المرفق الذي يعد حجر الزاوية في إنتاج المقاتلات الحديثة من عائلة Sukhoi. وقد خضعت الطائرات لسلسلة مكثفة من الاختبارات الأرضية والجوية قبل تسليمها رسمياً، حيث أكد "فاديم باديكا"، الرئيس التنفيذي لشركة United Aircraft Corporation، أن المصنع يعمل بوتيرة منتظمة لتلبية متطلبات "أمر الدفاع الحكومي" للعام الحالي، مع التركيز على دمج أحدث التقنيات التي تم استخلاصها من الدروس الميدانية الأخيرة.
تعتبر المقاتلة Su-35S، وهي النسخة المطورة من الفئة "4++"، جسراً تقنياً بين الجيل الرابع والجيل الخامس. وتتميز هذه الدفعة بتجهيزات متقدمة تشمل:
- محركات 117S (AL-41F1S): التي تمنح الطائرة قدرة فائقة على المناورة بفضل تقنية توجيه الدفع، مما يجعلها تتفوق في الاشتباكات القريبة.
- رادار Irbis-E: وهو رادار مصفوفة مسح إلكتروني سلبي (PESA) يمتلك مدى رصد استثنائي يصل إلى 400 كيلومتر، وقدرة على تتبع 30 هدفاً جوياً والاشتباك مع 8 أهداف في آن واحد.
- تسليح متنوع: صُممت الطائرة لحمل ترسانة ضخمة تشمل صواريخ الجو-جو بعيدة المدى مثل R-37M، وصواريخ مضادة للإشعاع والرادارات مثل Kh-31PM، بالإضافة إلى القنابل الموجهة بدقة، مما يجعلها منصة "ضرب طويلة الذراع" قادرة على تحييد الأهداف من خارج نطاق الدفاعات الجوية المعادية.
يأتي تسليم هذه الدفعة في أبريل 2026 ليؤكد صمود سلاسل التوريد الدفاعية الروسية أمام العقوبات الغربية المكثفة. فمن الناحية اللوجستية، يبرز التسليم قدرة شركة United Aircraft Corporation على استبدال المكونات الأجنبية ببدائل محلية أو تأمين مسارات توريد مرنة لقطع الغيار الدقيقة. كما أن تواتر عمليات التسليم يشير إلى أن روسيا لا تكتفي بترميم أسطولها فحسب، بل تعمل على تحديثه هيكلياً ليواكب التطورات في تكنولوجيا القتال الجوي والشبكي.
ووفقاً للبيانات الصادرة، فإن الطائرات الجديدة ستدخل الخدمة فوراً في الوحدات القتالية الأمامية، حيث تلعب Su-35S دوراً مزدوجاً؛ فهي تعمل كـ "مظلة حماية" لمجموعات القصف الجوي من طراز Su-34، وفي الوقت نفسه تقوم بمهام الاعتراض بعيد المدى وتدمير المسيرات والطائرات المعادية. هذا التكامل العملياتي هو ما تسعى موسكو لتعزيزه من خلال الحفاظ على معدل إنتاج مرتفع في مصنع Komsomolsk-on-Amur.
تمثل استمرارية إنتاج وتسليم طائرات Su-35S في عام 2026 رسالة جيوسياسية بالغة الأهمية. فمن منظور استراتيجي، تبرهن روسيا لمنافسيها ولزبائنها المحتملين على حد سواء أن صناعتها الدفاعية قادرة على "الصمود والابتكار" تحت الضغط. إن الحفاظ على خط إنتاج نشط لـ Su-35S جنباً إلى جنب مع المقاتلة الشبحية Su-57، يمنح القوات الروسية عمقاً عددياً وتكنولوجياً يسمح لها بمواجهة تحديات "حرب الاستنزاف" الجوية.
إن الاعتماد المكثف على Su-35S في النزاعات الحالية يجعلها منتجاً جذاباً للدول التي تبحث عن طائرات تفوق جوي مجربة ميدانياً بعيداً عن القيود السياسية التي تفرضها واشنطن على مبيعات F-35 أو F-15EX. وهذا يفسر الاهتمام المستمر من قوى إقليمية في الشرق الأوسط وآسيا باقتناء هذه المنصة.
كما يبرز التحدي الصناعي للغرب، حيث أن نجاح شركة United Aircraft Corporation في الوفاء بالجداول الزمنية للتسليم يضعف من جدوى استراتيجية "الخنق التكنولوجي" التي تتبعها القوى الغربية. هذا سيؤدي حتماً إلى إعادة تقييم فعالية العقوبات على قطاع الطيران العسكري، وقد يدفع شركات مثل Lockheed Martin وDassault Aviation إلى تسريع وتيرة تطوير منصاتها لمواجهة "الفلانكر" الروسية المتطورة.
تعزز هذه الدفعة من توجه روسيا نحو "القتال من مسافات آمنة" (Stand-off Combat). فمن خلال تزويد Su-35S بصواريخ R-37M الفتاكة، تخلق روسيا منطقة حظر جوي ديناميكية تصعب مهمة طائرات الإنذار المبكر (AWACS) وصهاريج الوقود التابعة للناتو، مما يغير من حسابات التوازن الجوي في شرق أوروبا وآسيا الوسطى.
إن تعزيز أسطول الـ Su-35S ليس مجرد إجراء روتيني لوزارة الدفاع الروسية، بل هو استثمار طويل الأمد في "السيادة الجوية المطلقة". ومع استمرار شركة Rostec في توسيع البنية التحتية للإنتاج في مصنع KnAAZ، يبدو أن موسكو تستعد لعقد من المنافسة الجوية الشرسة، حيث تظل Su-35S رأس الحربة في مواجهة أي تهديدات تقليدية، فارضة واقعاً جديداً في سوق السلاح العالمي يعتمد على الأداء الفعلي.