أخبار: بولندا تدخل سباق إنتاج الذخائر الذكية محليًا لدعم أسطول Apache وتعزيز قدرات مواجهة المسيّرات

أعلنت بولندا توقيع اتفاقية استراتيجية مع شركتين أمريكيتين لإطلاق قدرات إنتاج محلية لصواريخ Hydra 70 عيار 70 ملم، في خطوة تعكس تسارع التحول البولندي نحو بناء قاعدة صناعات دفاعية متقدمة قادرة على دعم احتياجات القوات المسلحة وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية، خصوصًا في ظل التوترات الأمنية المتصاعدة على الجبهة الشرقية لحلف الناتو.

وبحسب المعلومات التي كشفتها مجموعة الصناعات الدفاعية البولندية الحكومية PGZ، فإن شركة Nitro-Chem S.A. التابعة لها وقّعت اتفاقيات تعاون مع كل من General Dynamics Ordnance and Tactical Systems وParamount Enterprises International Inc. لتطوير وإقامة مركز إنتاج ولوجستيات لصواريخ Hydra 70 داخل الأراضي البولندية، مع خطة تدريجية لنقل أجزاء متزايدة من عملية التصنيع إلى الصناعة المحلية.

ويمثل المشروع أحد أهم برامج الذخائر التكتيكية التي تطلقها وارسو خلال السنوات الأخيرة، خاصة أن صواريخ Hydra 70 تُعد من أكثر الذخائر الغربية استخدامًا على مستوى العالم، سواء في النسخ غير الموجهة أو في النسخ المطورة المجهزة بأنظمة التوجيه الليزري مثل APKWS، والتي تحولت خلال الحرب الأوكرانية إلى واحدة من أبرز الوسائل منخفضة التكلفة لاعتراض الطائرات المسيّرة والتهديدات الجوية قصيرة المدى.

ووفقًا للتصريحات الرسمية، فإن المرحلة الأولى من المشروع ستشمل تجميع الصواريخ باستخدام مكونات أمريكية يتم توريدها من قبل General Dynamics، على أن تنتقل بولندا تدريجيًا نحو توسيع المكون المحلي عبر إشراك الموردين البولنديين وتطوير سلاسل تصنيع وطنية تشمل المكونات الهيكلية واللوجستية وربما مستقبلاً أجزاء من أنظمة الدفع والرؤوس الحربية.

الرئيس التنفيذي لمجموعة PGZ، Adam Leszkiewicz، أكد أن المشروع يرتبط مباشرة بخطط تسليح القوات المسلحة البولندية، مشيرًا إلى أن صواريخ Hydra 70 ستلعب دورًا محوريًا في تسليح مروحيات AH-64E Apache Guardian التي تعاقدت بولندا على الحصول عليها من الولايات المتحدة، والتي سيصل عددها إلى 96 مروحية هجومية، ما يجعل بولندا ثاني أكبر مشغل لهذه المنصة القتالية بعد الولايات المتحدة.

لكن أهمية الصفقة لا تتوقف عند دعم مروحيات Apache فقط، إذ كشفت التقارير أن بولندا تخطط أيضًا لاستخدام النسخ الموجهة من هذه الصواريخ ضمن منظومة الدفاع الجوي قصيرة المدى SAN، التي يجري تطويرها لمواجهة التهديدات المتزايدة للطائرات المسيّرة والذخائر الانتحارية منخفضة التكلفة. ويعكس ذلك تحولًا واضحًا في العقيدة الدفاعية الأوروبية نحو الاعتماد على ذخائر منخفضة التكلفة نسبيًا لتحقيق معادلة اعتراض اقتصادية ضد أسراب المسيّرات، بدلًا من استنزاف صواريخ دفاع جوي باهظة الثمن لاعتراض أهداف زهيدة التكلفة.

وخلال الحرب في أوكرانيا، برزت صواريخ APKWS المبنية على منظومة Hydra 70 كأحد أكثر الحلول فاعلية في مواجهة الطائرات المسيّرة الروسية، خاصة عند دمجها مع أنظمة مثل VAMPIRE التابعة لشركة L3Harris، والتي أثبتت قدرة على توفير دفاع جوي منخفض الكلفة وعالي المرونة مقارنة بالأنظمة التقليدية.

وتشير تقديرات متخصصة إلى أن تكلفة صاروخ Hydra 70 الأساسي تقل عن 3000 دولار، بينما تبلغ تكلفة وحدة التوجيه الليزري WGU-59/B المستخدمة في منظومة APKWS نحو 31 ألف دولار، وهو فارق ضخم مقارنة بالصواريخ الاعتراضية التقليدية مثل AIM-120 AMRAAM أو أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى، ما يمنح هذه الصواريخ أهمية متزايدة في بيئة الحروب الحديثة التي تعتمد على الاستنزاف الكثيف بالمسيّرات.

ومن الناحية العسكرية، يعكس المشروع البولندي إدراكًا متزايدًا داخل أوروبا بأن الحرب المستقبلية لن تعتمد فقط على المنصات الثقيلة والمقاتلات المتطورة، بل على القدرة على إنتاج ذخائر دقيقة ومنخفضة الكلفة بكميات ضخمة وبوتيرة سريعة. ولذلك، فإن توطين إنتاج Hydra 70 يمنح بولندا ميزة استراتيجية مزدوجة تتمثل في ضمان أمن الإمداد العسكري وتعزيز قدرة الجيش على خوض حرب استنزاف طويلة إذا اقتضت الضرورة.

كما يأتي المشروع ضمن استراتيجية بولندية أوسع تهدف إلى تحويل البلاد إلى أحد أكبر مراكز التصنيع العسكري في أوروبا الشرقية، مستفيدة من موقعها الجغرافي المواجه مباشرة لروسيا وبيلاروسيا، ومن الدعم العسكري الأمريكي المتزايد لبناء قدرات ردع متقدمة داخل الجناح الشرقي لحلف الناتو.

وفي السنوات الأخيرة، ضخت وارسو استثمارات ضخمة في برامج التسليح شملت دبابات K2 Black Panther الكورية الجنوبية، ومنظومات Patriot الأمريكية، ومقاتلات F-35A Lightning II، إضافة إلى مروحيات Apache، وهو ما خلق حاجة ملحة لبناء قاعدة صناعية قادرة على دعم هذا التوسع العسكري الضخم محليًا بدل الاعتماد الكامل على الواردات الأجنبية.

وتكتسب صفقة Hydra 70 أهمية خاصة لأنها لا تتعلق بمنصة رئيسية معقدة فحسب، بل بمنظومة ذخائر قابلة للتوسع والإنتاج واسع النطاق، وهو المجال الذي أثبتت الحرب الأوكرانية أنه الأكثر حساسية في النزاعات طويلة الأمد. فالكثير من الدول الغربية واجهت تحديات كبيرة في تعويض مخزون الذخائر والصواريخ بعد سنوات من انخفاض الإنتاج الدفاعي عقب الحرب الباردة.

كما يُنظر إلى المشروع باعتباره خطوة تمهيدية قد تفتح المجال مستقبلًا أمام تطوير نسخ بولندية مطورة أو محلية من الصواريخ الموجهة قصيرة المدى، خصوصًا أن بولندا تمتلك بالفعل خبرات متنامية في الصناعات الصاروخية عبر شركات مثل Mesko، التي تنتج ذخائر وصواريخ متعددة للقوات المسلحة البولندية.

إن دخول بولندا إلى مجال إنتاج ذخائر Hydra 70 يعزز المنافسة داخل سوق الذخائر التكتيكية الغربية، خاصة مع تصاعد الطلب العالمي على الأنظمة منخفضة التكلفة المضادة للمسيّرات. كما أن المشروع يمنح وارسو فرصة للتحول مستقبلاً إلى مركز إقليمي لصيانة وإنتاج هذه الذخائر لصالح دول أوروبا الشرقية وحلفاء الناتو.

ويرى محللون أن المشروع يحمل أيضًا بُعدًا سياسيًا واضحًا، إذ يعكس تعمق الشراكة الدفاعية بين بولندا والولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تعزيز قدرات حلفائها الأوروبيين على الإنتاج العسكري المحلي وتقليل الضغط على الصناعة الدفاعية الأمريكية التي تواجه طلبًا عالميًا متزايدًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

وفي حال نجاح بولندا في توسيع قدراتها الإنتاجية وتحويل المشروع من مرحلة التجميع إلى التصنيع الكامل، فقد تصبح خلال سنوات قليلة أحد أبرز المنتجين الأوروبيين للذخائر الصاروخية قصيرة المدى، ما سيمنحها نفوذًا متزايدًا داخل بنية الأمن الأوروبي الجديدة التي تتشكل بسرعة تحت ضغط التهديدات الروسية المتصاعدة.