أخبار: بولندا تطرق أبواب مشروع GCAP لامتلاك تكنولوجيا الجيل السادس

أعلنت الحكومة البولندية رسمياً عن اهتمامها بالانضمام إلى برنامج القتال الجوي العالمي المعروف اختصاراً بـ Global Combat Air Programme (GCAP). هذا المشروع الطموح، الذي تقوده كل من المملكة المتحدة وإيطاليا واليابان، يهدف إلى تطوير مقاتلة من الجيل السادس ستشكل عماد القوة الجوية في العقود القادمة. وصرح نائب وزير الأصول الحكومية البولندي، Konrad Gołota، بأن بلاده تجري حالياً مباحثات مكثفة مع الشركاء الصناعيين في البرنامج لاستكشاف آفاق التعاون التقني والصناعي، مؤكداً أن بولندا تسعى لاستعادة مكانتها كمركز للصناعات الجوية المتطورة بعد عقود من التوقف عن إنتاج الطائرات المقاتلة محلياً.

تأتي هذه التحركات البولندية في توقيت حساس يشهده سوق الدفاع العالمي؛ حيث كشف المسؤولون في وارسو أنهم عقدوا خلال الأشهر القليلة الماضية سلسلة من الاجتماعات مع ممثلي شركات عملاقة مثل Leonardo الإيطالية ومجموعة من الشركات اليابانية المنضوية تحت مظلة Mitsubishi Heavy Industries. وأشار Konrad Gołota إلى أن الجانبين الإيطالي والياباني أبديا "تفهماً ورغبة" في مواصلة المباحثات، مما يفتح الباب أمام بولندا لتكون شريكاً استراتيجياً في هذا الكونسورتيوم العالمي.

مشروع GCAP، الذي يرتكز تقنياً على منصة المقاتلة المعروفة سابقاً باسم Tempest، لا يهدف فقط إلى بناء طائرة مقاتلة، بل يسعى لتطوير منظومة متكاملة من "نظام الأنظمة" (System of Systems). وتتطلع بولندا من خلال انضمامها المحتمل إلى الاستفادة من نموذج مشاركة يمنح صناعتها الدفاعية الوطنية، وفي مقدمتها مجموعة Polska Grupa Zbrojeniowa (PGZ)، القدرة على الوصول إلى "المعرفة الفنية" (Know-how) والمشاركة في سلاسل التوريد العالمية للمحركات، الإلكترونيات، وأنظمة الذكاء الاصطناعي.

لا يمكن فصل رغبة وارسو في دخول عالم الجيل السادس عن استراتيجيتها الكبرى لتحديث القوات المسلحة، والتي تسارعت وتيرتها بشكل غير مسبوق في أعقاب التغيرات الجيوسياسية في شرق أوروبا. بولندا حالياً ليست مجرد "راغب" في الشراء، بل هي أكبر منفق عسكري في حلف الناتو قياساً إلى ناتجها المحلي الإجمالي، حيث من المتوقع أن يصل إنفاقها الدفاعي إلى نحو 4.8% في عام 2026.

وضعت وارسو خارطة طريق قوية لتعزيز سلاح الجو البولندي (Siły Powietrzne)، بدأت بتعاقدات ضخمة تشمل:

- شراء 32 مقاتلة من طراز F-35A Lightning II من شركة Lockheed Martin، والتي بدأ الطيارون البولنديون التدرب عليها بالفعل.

- تحديث أسطولها المكون من 48 طائرة F-16 C/D Block 52+ إلى المعيار F-16V بموجب صفقة بلغت قيمتها 3.8 مليار دولار.

- إدخال طائرات القتال الخفيفة KAI FA-50 من كوريا الجنوبية لسد الفجوات العملياتية.

ويرى المحللون أن التوجه نحو GCAP هو الخطوة المنطقية التالية لضمان السيادة التكنولوجية ما بعد عام 2035، وهو التاريخ المستهدف لدخول مقاتلة الجيل السادس الخدمة الفعلية.

يمثل اهتمام بولندا ببرنامج GCAP ضربة قوية للمشروع المنافس، "نظام القتال الجوي المستقبلي" (Future Combat Air System - FCAS) الذي تقوده فرنسا وألمانيا وإسبانيا. فبينما يعاني مشروع FCAS من خلافات صناعية وتأخيرات في الجداول الزمنية بين شركة Dassault Aviation الفرنسية وشركة Airbus، يبدو أن مشروع GCAP يكتسب زخماً دولياً أكبر وأكثر استقراراً، خاصة مع انضمام اليابان كشريك أساسي.

استراتيجياً، بولندا تختار معسكراً تكنولوجياً يربطها بشكل أوثق بالصناعات الدفاعية الأنجلو-إيطالية، وهو ما يعزز من نفوذها داخل حلف الناتو كـ "حارس للبوابة الشرقية". إن دخول بولندا في هذا التحالف يعني أن ثقل الصناعات الجوية الدفاعية بدأ يزحف شرقاً، حيث تسعى وارسو لتكون مركزاً للصيانة والتطوير البرمجي لتقنيات المستقبل، بدلاً من أن تظل مجرد مستهلك للأسلحة الجاهزة عبر صفقات المبيعات العسكرية الخارجية (Foreign Military Sales - FMS).

إن سعي بولندا للانضمام إلى برنامج GCAP ليس مجرد صفقة شراء طائرات، بل هو "إعلان استقلال تكنولوجي". وارسو تدرك أن التفوق الجوي في عام 2040 لن يعتمد على المناورة الجسدية للطائرة فحسب، بل على القدرة على معالجة البيانات والتحكم في أسراب المسيرات داخل بيئة قتالية معقدة. باختيارها للـ GCAP، تضع بولندا نفسها في قلب "النخبة الدفاعية" العالمية، محولةً جيشها من قوة دفاعية إقليمية إلى قوة تكنولوجية رائدة تساهم في صياغة مستقبل الحروب الجوية.