تسارع تركيا خطواتها لبناء ذراع جوية بحرية متكاملة قادرة على العمل من على متن حاملات الطائرات المستقبلية، بعدما بدأت شركة Turkish Aerospace Industries (TAI) تطوير نسخة بحرية من المقاتلة التدريبية والهجومية الخفيفة HÜRJET لتكون قادرة على تنفيذ عمليات الإقلاع والهبوط فوق حاملة الطائرات التركية المستقبلية MUGEM، في خطوة تعكس التحول الكبير داخل العقيدة العسكرية التركية من قوة إقليمية برية وجوية تقليدية إلى قوة بحرية قادرة على إسقاط النفوذ العسكري خارج المياه الإقليمية التركية.
ويأتي المشروع الجديد ضمن استراتيجية “الوطن الأزرق” أو Mavi Vatan التي تتبناها أنقرة منذ سنوات، والتي تقوم على توسيع الحضور البحري التركي في شرق المتوسط والبحر الأسود وبحر إيجه، إضافة إلى تعزيز القدرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى داخل مناطق النفوذ البحري المتنازع عليها. وفي هذا السياق، لم تعد تركيا تنظر إلى حاملات الطائرات باعتبارها مجرد منصات رمزية، بل كأدوات مركزية لإعادة تشكيل التوازنات البحرية والجيوسياسية في محيطها الإقليمي.
وبحسب المعلومات التي كشفتها المصادر الدفاعية التركية، فإن النسخة البحرية من HÜRJET ستخضع لتعديلات هيكلية واسعة تشمل تعزيز البدن ومنظومة الهبوط وإضافة خطاف توقيف خلفي يمكن الطائرة من الهبوط على مدرجات الحاملات القصيرة باستخدام أسلاك الإيقاف، وهي واحدة من أعقد العمليات الهندسية في عالم الطيران البحري. كما ستتضمن التعديلات تحسين مقاومة التآكل البحري وتكييف المقاتلة للعمل لفترات طويلة في البيئات الرطبة والمالحة المرتبطة بالعمليات البحرية.
ويمثل هذا التطوير خطوة مهمة للغاية بالنسبة للصناعات الجوية التركية، لأن بناء طائرة قادرة على العمل من حاملات الطائرات يختلف جذرياً عن تطوير مقاتلة أرضية تقليدية. فالهبوط على سطح حاملة طائرات يفرض ضغوطاً هائلة على الهيكل ومنظومة العجلات بسبب معدلات الهبوط العنيفة والتوقف المفاجئ خلال مسافات قصيرة جداً، وهو ما يتطلب هندسة خاصة لا تمتلكها سوى دول محدودة عالمياً.
وتعتمد تركيا في مشروعها البحري الجديد على المقاتلة HÜRJET باعتبارها منصة مناسبة نسبياً من حيث الحجم والوزن والكلفة التشغيلية، خاصة أن الطائرة صُممت أساساً كمقاتلة تدريبية وهجومية خفيفة متعددة المهام، بمحرك واحد وسرعة تتجاوز Mach 1.4، مع قدرة على حمل نحو 3 أطنان من الذخائر عبر سبع نقاط تعليق خارجية. كما تتميز الطائرة بأبعاد مدمجة تجعلها أكثر ملاءمة للعمل فوق الحاملات مقارنة بالمقاتلات الثقيلة الأكبر حجماً.
لكن الأهمية الحقيقية للمشروع لا تكمن فقط في تطوير نسخة بحرية من HÜRJET، بل في ما يكشفه من طموح تركي لبناء منظومة طيران بحري متكاملة تعتمد بالكامل تقريباً على منصات محلية الصنع. فبحسب التصورات الحالية، ستضم حاملة الطائرات MUGEM مزيجاً من الطائرات المأهولة وغير المأهولة، يشمل HÜRJET إلى جانب الطائرة الشبحية بدون طيار Bayraktar KIZILELMA والطائرة TB-3 ومنصة ANKA-3، وهو ما يعكس توجهاً تركياً واضحاً نحو بناء جناح جوي بحري يعتمد على الدمج بين الطائرات التقليدية والأنظمة غير المأهولة.
ويبدو أن أنقرة تحاول استغلال خبرتها المتراكمة في مجال الطائرات بدون طيار لتعويض الفجوة التي نتجت عن استبعادها سابقاً من برنامج المقاتلة الأمريكية F-35، والذي كان من المفترض أن يوفر لتركيا طائرات قادرة على العمل من على متن السفينة TCG Anadolu. وبعد انهيار هذا المسار، بدأت تركيا عملياً في بناء عقيدة بحرية جوية جديدة قائمة على الطائرات المحلية والمسيّرات القتالية، وهو ما أدى إلى ظهور مفاهيم مثل “حاملة الدرونز” ثم لاحقاً مشروع MUGEM الأكثر طموحاً.
وتحمل حاملة الطائرات MUGEM نفسها دلالات استراتيجية ضخمة بالنسبة لتركيا. فالسفينة، التي بدأ العمل على بنائها رسمياً مطلع عام 2025، ستبلغ إزاحتها نحو 60 ألف طن، بطول يقارب 285 متراً، مع قدرة على حمل ما لا يقل عن 50 طائرة ومسيّرة، لتصبح أكبر قطعة بحرية في تاريخ البحرية التركية الحديثة. كما يجري تصميمها بنظام STOBAR الذي يسمح بإقلاع الطائرات عبر منصة قفز أمامية والهبوط باستخدام أسلاك توقيف، مع دراسة إمكانية تطويرها مستقبلاً إلى نظام CATOBAR الأكثر تطوراً.
ويكشف هذا المشروع عن تحول أوسع في التفكير العسكري التركي، حيث لم تعد أنقرة تركز فقط على الدفاع الساحلي أو العمليات الإقليمية المحدودة، بل تسعى لبناء قدرة حقيقية على إسقاط القوة البحرية والجوية لمسافات بعيدة، سواء في شرق المتوسط أو البحر الأحمر أو حتى المحيط الهندي مستقبلاً. كما يعكس المشروع رغبة تركية واضحة في الانضمام إلى النادي المحدود للدول القادرة على تشغيل طيران بحري مقاتل انطلاقاً من حاملات طائرات محلية التصميم والإنتاج.
ومن الناحية الصناعية، يمثل تطوير HÜRJET البحرية دفعة ضخمة لقطاع الصناعات الجوية التركية، الذي يشهد توسعاً غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة عبر مشاريع مثل المقاتلة الشبحية KAAN والطائرات بدون طيار القتالية ومنظومات الذخائر الذكية. فنجاح تركيا في تطوير طائرة بحرية محلية سيمنحها مكانة متقدمة داخل سوق الصناعات الدفاعية العالمية، خاصة في ظل تزايد اهتمام الدول المتوسطة ببناء قدرات بحرية جوية أقل كلفة من النماذج الأمريكية والغربية التقليدية.
كما أن المشروع قد يفتح مستقبلاً فرص تصدير مهمة، خصوصاً مع الاهتمام الإسباني المتزايد بطائرة HÜRJET، واحتمالات تطوير نسخ بحرية قابلة للتشغيل على حاملات أو سفن هجومية برمائية خفيفة لدى دول أخرى. وفي حال نجحت أنقرة في دمج المقاتلات والمسيّرات داخل جناح جوي بحري موحد، فقد تصبح تركيا واحدة من أوائل الدول التي تطبق بصورة عملية مفهوم “الحاملة الهجينة” التي تجمع بين الطيران المأهول وغير المأهول ضمن عقيدة تشغيل واحدة.
ويعتقد محللون أن المشروع التركي يعكس أيضاً التحول العالمي المتزايد نحو تقليص الاعتماد الكامل على المقاتلات الثقيلة باهظة الثمن داخل العمليات البحرية، مقابل توسيع دور المنصات الأخف والأرخص والأكثر مرونة، خاصة مع التطور السريع في الذكاء الاصطناعي والطائرات غير المأهولة وأنظمة الحرب الشبكية. وفي هذا الإطار، قد تتحول HÜRJET البحرية إلى منصة انتقالية تمهد مستقبلاً لتشغيل مقاتلات بحرية تركية أكثر تطوراً وربما نسخة بحرية من المقاتلة الشبحية KAAN نفسها.
وفي المحصلة، لا يمثل تطوير النسخة البحرية من HÜRJET مجرد تعديل تقني لطائرة تدريبية، بل خطوة استراتيجية ضمن مشروع تركي أوسع لإعادة تشكيل مكانة أنقرة البحرية والعسكرية في القرن الحادي والعشرين، عبر بناء قدرة مستقلة على تشغيل القوة الجوية من البحر دون الاعتماد على المنظومات الغربية التقليدية، وهو تحول قد يعيد رسم التوازنات البحرية في شرق المتوسط والمناطق المحيطة خلال العقد المقبل.