أخبار: سنغافورة تُحدّث أسطول النقل الجوي بطائرات C-130H مستعملة لتعزيز جاهزيتها للعقدين القادمين

في خطوة تعكس نهجها البراجماتي الفريد في إدارة الموارد الدفاعية، أعلنت القوات الجوية لجمهورية سنغافورة (Republic of Singapore Air Force - RSAF) عن البدء في استلام دفعات من طائرات النقل العسكري Lockheed Martin C-130H Hercules المستعملة. وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية لاستبدال الطرازات الأقدم من فئة C-130B التي خدمت لأكثر من ستة عقود، في قرار فاجأ بعض مراقبي السوق الذين توقعوا اتجاه "الدولة المدينة" نحو طرازات أحدث كلياً مثل C-130J Super Hercules أو Embraer C-390 Millennium.

كشف اللواء "كيلفين فان"، قائد القوات الجوية السنغافورية، خلال مؤتمر صحفي قبيل انطلاق معرض سنغافورة للطيران 2026 (Singapore Airshow 2026)، أن عمليات التسليم قد بدأت بالفعل منذ ديسمبر الماضي. وبحسب التقارير الفنية، فإن الطائرات التي انضمت للخدمة تشمل نسخاً من طراز C-130H ونسخة التزويد بالوقود جوًا KC-130H، بالإضافة إلى نسخة الهيكل الممتد C-130H-30.

هذه الطائرات، التي كانت تتبع سابقاً للقوات الجوية الإسبانية وتم الاستحواذ عليها عبر شركة Blue Aerospace الأمريكية، تتميز بكونها خضعت لعمليات تحديث شاملة لأنظمة الملاحة وإلكترونيات الطيران (Avionics)، بما في ذلك قمرات القيادة الزجاجية الرقمية (Digital Glass Cockpits). وعلى الرغم من أن عمر هذه الطائرات يتراوح بين 40 إلى 50 عاماً، إلا أنها سجلت ساعات طيران منخفضة نسبياً (ما بين 16,000 إلى 19,000 ساعة)، وكانت محفوظة في بيئات تخزين منخفضة الرطوبة، مما يجعلها منصات مثالية لخدمة الاحتياجات العملياتية لسنغافورة لمدة تتراوح بين 15 إلى 20 عاماً إضافية.

تمثل هذه الصفقة درساً في "الاستراتيجية الدفاعية الاقتصادية". فبالنسبة لدولة مثل سنغافورة، التي تمتلك واحداً من أكثر الجيوش تقدماً في آسيا، لم يكن قرار شراء طائرات مستعملة نابعاً من نقص التمويل، بل من تقييم دقيق للحاجة مقابل الكلفة. استراتيجياً، تدرك RSAF أن طائرة C-130 تظل المنصة الأكثر موثوقية لمهمات الدعم اللوجستي، المظليين، وعمليات الإغاثة الإنسانية في حالات الكوارث (HADR) التي تقودها سنغافورة إقليمياً.

من خلال اختيار C-130H بدلاً من C-130J الأحدث، حافظت سنغافورة على استمرارية التدريب والدعم اللوجستي القائم بالفعل، وتجنبت تكاليف إعادة التدريب الباهظة وبناء بنية تحتية جديدة بالكامل. هذا التوجه يسمح للمؤسسة الدفاعية بتوجيه ميزانياتها الضخمة نحو مشاريع أكثر حيوية وتأثيراً استراتيجياً، مثل اقتناء مقاتلات الجيل الخامس F-35 Lightning II وتطوير أنظمة الدفاع الجوي القائمة على الذكاء الاصطناعي، مما يخلق توازناً استراتيجياً بين "ناقلات الجند الموثوقة" و"رؤوس الحربة التكنولوجية".

عالمياً، يبعث هذا الخبر برسالة قوية لمصنعي الطائرات الأصليين (OEMs)؛ وهي أن سوق "تحديث وصيانة الطائرات القديمة" لا يقل أهمية عن سوق "المنصات الجديدة". قرار سنغافورة يعزز من مكانة طائرة C-130 Hercules كأسطورة حية في تاريخ الطيران العسكري، ويؤكد أن المنصات التي تتمتع بمرونة في التحديث البرمجي والهيكلي ستظل مهيمنة على حصص السوق.

تأثير هذا التوجه سيمتد ليشمل شركات الصيانة والإصلاح والعمرة (MRO)، وتحديداً شركة ST Engineering السنغافورية، التي ستقوم بدور محوري في دمج الأنظمة الوطنية داخل هذه الطائرات "الجديدة-القديمة". هذا النموذج قد يلهم دولاً أخرى متوسطة المساحة أو ذات ميزانيات دفاعية محددة لتبني استراتيجية "الإحلال الذكي" بدلاً من الشراء المكلف، مما قد يؤدي إلى تباطؤ نسبي في مبيعات طائرات النقل العسكري الثقيلة والحديثة جداً لصالح صفقات التحديث وإعادة التأهيل. في نهاية المطاف، تثبت سنغافورة مجدداً أن القوة الجوية لا تُقاس فقط بحداثة الطلاء على الهياكل، بل بذكاء اختيار المنصة التي تنجز المهمة بأعلى كفاءة وأقل كلفة مستدامة.