أعلنت الحكومة الكندية رسمياً عن تخصيص حزمة استثمارات ضخمة تتجاوز قيمتها 900 مليون دولار كندي (حوالي 660 مليون دولار أمريكي) لدعم أبحاث الطيران والدفاع، مع التركيز بشكل خاص على تقنيات الطائرات بدون طيار Drones والأنظمة المستقلة. يأتي هذا الإعلان، الذي تم في مرافق المجلس الوطني للبحوث (National Research Council - NRC) في أوتاوا، كجزء محوري من "استراتيجية التصنيع الدفاعي" (Defence Industrial Strategy) التي أطلقتها البلاد مؤخراً لتحديث قدرات القوات المسلحة الكندية وتوطين التكنولوجيا المتقدمة.
شهدت الفعالية حضور وزيرة الصناعة "ميلاني جولي" ووزير الدفاع الوطني "ديفيد ماكغينتي"، حيث تم الكشف عن تفاصيل تقنية ومالية دقيقة لهذه المبادرة. وتتضمن الصفقة الاستحواذ على طائرة من طراز Bombardier Global 6500 مصنعة محلياً، لتكون بمثابة مختبر طائر ومنصة أبحاث جوية متطورة. ستستخدم هذه الطائرة، التي تعد فخر الصناعة الكندية من شركة Bombardier، لاختبار وتطوير أنظمة الاستشعار، وأجهزة الحرب الإلكترونية، وتقنيات الاتصال المؤمنة بالتعاون مع القطاع الخاص والأكاديميين.
وبالتوازي مع ذلك، أعلنت الحكومة عن إنشاء مركز ابتكار الطائرات بدون طيار (Drone Innovation Hub) في منطقتي أوتاوا وميرابل. هذا المركز لن يقتصر فقط على تطوير الـ Drones، بل سيمتد ليشمل أبحاث مضادات الطائرات بدون طيار (Counter-Drone Systems)، وهو المجال الذي أثبتت النزاعات الحديثة أهميته القصوى. وسيتم توجيه أكثر من 500 مليون دولار من إجمالي التمويل لدعم هذه الأنظمة الجوية والتقنيات الذاتية، في حين سيخصص جزء كبير من الميزانية المتبقية لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) عبر برنامج مساعدة البحوث الصناعية (NRC IRAP) لضمان دمج الابتكارات المحلية في سلاسل التوريد العالمية.
تحمل هذه التحركات الكندية دلالات استراتيجية عميقة؛ فهي تمثل استجابة مباشرة للضغوط المتزايدة من حلف شمال الأطلسي (NATO) على الدول الأعضاء لزيادة الإنفاق الدفاعي ليصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن الناحية الجيوسياسية، تسعى كندا عبر هذه الاستراتيجية إلى تأمين سيادتها في منطقة القطب الشمالي (Arctic Sovereignty)، حيث تبرز الحاجة الماسة لوسائل استطلاع ومراقبة طويلة المدى وذاتية القيادة قادرة على العمل في الظروف المناخية القاسية، وهو ما توفره تقنيات الـ Unmanned Aerial Systems (UAS) المطورة محلياً.
إن التوجه نحو "التكنولوجيا ثنائية الاستخدام" (Dual-use Technologies) يوضح أن أوتاوا لا تنظر إلى الدفاع كعبء مالي، بل كمحرك للنمو الاقتصادي. فمن خلال دمج قدرات شركة Bombardier مع أبحاث الـ Quantum Computing والذكاء الاصطناعي، تهدف كندا إلى خلق بيئة دفاعية تقنية مستقلة تقلل من اعتمادها على الموردين الخارجيين، وتؤمن لها مقعداً دائماً في صدارة الابتكار العسكري ضمن تحالف "العيون الخمس" (Five Eyes).
على صعيد السوق العالمية، يرسل هذا الاستثمار إشارة قوية إلى كبار اللاعبين في صناعة الدفاع. إن دخول كندا بقوة في سوق الـ Aerospace الدفاعي عبر منصة Bombardier Global 6500 يضعها في منافسة مباشرة مع شركات عالمية كبرى تقدم منصات مشابهة لمهام الاستطلاع والاستخبارات (ISR). كما أن التركيز على الـ Drone Innovation Hub سيجعل من كندا مركزاً جاذباً للاستثمارات الأجنبية في قطاع الأنظمة غير المأهولة، مما قد يغير خارطة التوريد العالمية لهذه الأنظمة.
علاوة على ذلك، فإن نجاح كندا في ربط البحث الأكاديمي بالتصنيع العسكري من خلال الـ National Research Council يضع نموذجاً يحتذى به للدول المتوسطة القوة التي تسعى لتعزيز نفوذها الدفاعي دون الدخول في سباقات تسلح تقليدية مكلفة. هذا التوجه سيؤدي حتماً إلى زيادة وتيرة المنافسة التكنولوجية في مجالات الحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي العسكري، حيث ستسعى الشركات العالمية لإيجاد شراكات مع الكيانات الكندية الناشئة التي ستحظى بدعم حكومي سخي بموجب هذه الاستراتيجية. في نهاية المطاف، تعيد كندا صياغة هويتها الدفاعية من "مستهلك للتقنية" إلى "مبتكر ومصدر" لها، مما سيعزز من مرونة سوق الدفاع العالمي ويدفع نحو جيل جديد من الأسلحة الذكية والأكثر كفاءة.