تواجه القوات الجوية الملكية الماليزية (RMAF) منعطفاً تقنياً وعملياتياً حرجاً في إطار سعيها لتحديث قدراتها القتالية الجوية. ففي ظل التأخيرات المستمرة والمطولة التي تشوب برنامج ترقية وتحديث مقاتلات F/A-18 Hornet الأمريكية الصنع، بدأت القيادة العسكرية في كوالالمبور بإعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية بشكل جذري. وتشير التقارير الصادرة في مطلع عام 2026 إلى أن ماليزيا قد تتجه جدياً نحو اقتناء المقاتلة الكورية الجنوبية المتطورة من الجيل 4.5 المعروفة باسم KF-21 Boramae، والتي تنتجها شركة Korea Aerospace Industries (KAI)، لتكون البديل الجاهز لسد الفجوة التي خلفها تراجع الأداء الفني والجدول الزمني لأسطول "هورنيت" المتقادم.
تعود جذور هذه الأزمة إلى الاعتماد الطويل لماليزيا على مقاتلات F/A-18D Hornet التي شكلت العمود الفقري لعمليات الاعتراض والهجوم الأرضي لسنوات طويلة. ومع ذلك، فإن تحديات الصيانة، وتوافر قطع الغيار، وتأخر الشركات الأمريكية في تقديم حزم التحديث الشاملة (Mid-Life Upgrade) جعلت استمرار هذا الطراز في الخدمة أمراً مكلفاً وغير مجدٍ عسكرياً على المدى البعيد. وفي هذا السياق، تبرز المقاتلة الكورية KF-21 Boramae كخيار مثالي، نظراً للعلاقات الدفاعية المتنامية بين كوالالمبور وسول، والتي توجت مؤخراً بصفقة طائرات التدريب القتالي والمقاتلات الخفيفة FA-50 Block 20.
إن اهتمام ماليزيا بمقاتلة KF-21 ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج لنجاح الاختبارات الجوية المتسارعة التي أجرتها شركة KAI على النماذج الأولية للمقاتلة. وتتميز KF-21 Boramae بقدرات تخفي جزئية (Semi-stealth)، ورادار متطور من فئة AESA، وقدرة على حمل مجموعة متنوعة من الأسلحة المتطورة مثل صواريخ Meteor الأوروبية وصواريخ AIM-120 AMRAAM الأمريكية. ومن المتوقع في حال المضي قدماً في هذه المفاوضات، أن تطلب ماليزيا الحصول على النسخ الأولى من المقاتلة بحلول نهاية العقد الحالي، مع إمكانية الدخول كشريك في عمليات التصنيع أو الصيانة المحلية، وهو ما يتماشى مع رؤية ماليزيا لتطوير صناعتها الدفاعية الوطنية.
تتضمن تفاصيل التعاون المحتمل أيضاً نقل التكنولوجيا (ToT)، وهو المطلب الذي تبرع فيه كوريا الجنوبية مقارنة بالموردين الغربيين. ومن شأن هذه الصفقة أن تنهي عقوداً من الاعتماد الحصري على المنصات الأمريكية والأوروبية الثقيلة، وتستبدلها بمنصة آسيوية قادرة على مواجهة التحديات الأمنية في بحر الصين الجنوبي، حيث تتداخل المصالح الماليزية مع القوى الإقليمية الكبرى.
تحمل هذه الخطوة دلالات جيوسياسية عميقة تتجاوز مجرد عملية شراء أسلحة. أولاً، تعكس رغبة ماليزيا في تنويع مصادر تسلحها والتحرر من "البيروقراطية" المرتبطة بصفقات السلاح الأمريكية وشروطها الصارمة. ثانياً، يمثل هذا التحول انتصاراً كبيراً للدبلوماسية الدفاعية الكورية الجنوبية في منطقة جنوب شرق آسيا (ASEAN)، حيث بدأت سيئول تفرض نفسها كبديل تكنولوجي موثوق وبأسعار تنافسية مقارنة بمنتجات Lockheed Martin أو Dassault Aviation.
استراتيجياً، فإن دخول KF-21 إلى الخدمة في ماليزيا سيغير موازين القوى الجوية في المنطقة، خصوصاً أن إندونيسيا هي بالفعل شريك في البرنامج. وهذا قد يؤدي إلى خلق "كتلة مستخدمين" لمقاتلات KAI في المنطقة، مما يسهل عمليات التدريب المشترك، والدعم اللوجستي المتبادل، وتوحيد معايير العمليات الجوية بين دول الجوار التي تواجه تهديدات مشتركة. كما أن اختيار هذه المقاتلة يبعث برسالة واضحة حول طموح ماليزيا في امتلاك تكنولوجيا الجيل القادم دون الانتظار لسنوات طويلة للحصول على موافقات لبيع طائرات F-35 التي قد لا تمنحها واشنطن بسهولة لجميع الحلفاء في المنطقة.
إن التحول الماليزي نحو KF-21 Boramae يرسل موجات ارتدادية قوية في سوق الصناعات الدفاعية العالمي، حيث يؤكد أن الهيمنة التقليدية للمقاتلات الأمريكية والأوروبية بدأت تواجه منافسة شرسة من "المنافس الكوري الجنوبي" الصاعد. عالمياً، يثبت نجاح برنامج KF-21 أن الدول ذات الطموح الصناعي يمكنها سد الفجوة بين الجيل الرابع والجيل الخامس بمنتجات أقل تكلفة وأعلى كفاءة، مما يضغط على شركات مثل Boeing وAirbus لإعادة النظر في استراتيجيات التسعير والتسويق الخاصة بها.