أعلنت شركة Rolls-Royce عن تجاوز محركها التوربيني المروحي F130 بنجاح لاختبارات الارتفاع والتشغيل الحرجة (Altitude and Operability Testing). هذا الإنجاز، الذي تم تنفيذه بالتعاون مع القوات الجوية الأمريكية في مجمع "أرنولد" لتطوير الهندسة (Arnold Engineering Development Complex - AEDC) في ولاية تينيسي، يمثل حجر الزاوية في برنامج استبدال المحركات التجارية (Commercial Engine Replacement Program - CERP) الذي سيعيد صياغة قدرات قاذفة القنابل الاستراتيجية الأسطورية B-52 Stratofortress.
إن نجاح هذه الاختبارات في فبراير ومارس 2026 يمهد الطريق رسمياً لتحويل القاذفات من الطراز الحالي B-52H إلى الطراز الحديث والمطور B-52J. ويهدف البرنامج إلى استبدال محركات Pratt & Whitney TF33 القديمة، التي تعود تكنولوجيتها إلى حقبة الستينيات، بمحركات F130 المتطورة التي توفر كفاءة استهلاكية، وموثوقية تشغيلية، ومدى طيران غير مسبوق، مما يجعل "القلعة الطائرة" قادرة على العمل حتى عام 2050 وما بعده، لتكون بذلك أول طائرة في التاريخ العسكري يقترب عمرها من 100 عام في الخدمة النشطة.
شملت سلسلة الاختبارات الصارمة في منشأة AEDC محاكاة لظروف الطيران على ارتفاعات شاهقة، وضمان استقرار المحرك تحت ضغوط تدفق الهواء المتغيرة واضطرابات الرياح العرضية. كما ركزت الفرق الهندسية من Rolls-Royce وبالتنسيق مع شركة Boeing (المتكامل الرئيسي للنظام) على اختبار مولدات الدفع المتكاملة (Integrated Drive Generators) لضمان استمرارية إمداد الطاقة الكهربائية اللازمة للأنظمة الرقمية والرادارات الحديثة التي سيتم دمجها في النسخة B-52J.
يُشتق محرك F130 من عائلة محركات Rolls-Royce BR التجارية الناجحة (تحديداً طراز BR725)، وهو محرك أثبت جدارته بأكثر من 30 مليون ساعة طيران في الطائرات المدنية وطائرات رجال الأعمال الفاخرة مثل Gulfstream G650. وتتمثل الميزة اللوجستية الكبرى في التصميم الجديد بكون المحركات الثمانية للطائرة ستصبح الآن "قابلة للتبديل بالكامل" (Fully Interchangeable) ضمن تصميم الحوايا الثنائية (Dual-pod configuration)، بخلاف النظام القديم الذي كان يفرق بين محركات الجهة اليمنى واليسرى، مما يسهل عمليات الصيانة الميدانية بشكل جذري.
تسعى الولايات المتحدة لتعزيز "الثالوث النووي" الخاص بها في مواجهة القوى العظمى الصاعدة. إن تحويل قاذفة B-52 إلى النسخة B-52J بمحركات F130 لا يهدف فقط إلى توفير الوقود، بل إلى منح الولايات المتحدة منصة ردع قادرة على حمل الصواريخ الجوالة النووية من نوع Long Range Stand Off (LRSO) والأسلحة الفرط صوتية التي تتطلب استقراراً وموثوقية عالية في منصة الإطلاق.
إن قدرة Rolls-Royce على تنفيذ هذا المشروع "في الوقت المحدد وضمن الميزانية المرصودة" تعزز من ثقة البنتاغون في الاعتماد على التكنولوجيا التجارية الناضجة لتحديث الأصول العسكرية القديمة. كما أن زيادة المدى العملياتي للقاذفة بفضل كفاءة محركات F130 تعني تقليل الاعتماد على طائرات التزود بالوقود في الجو، وهو أمر حيوي في العمليات الممتدة فوق المحيط الهادئ، حيث تكون القواعد العسكرية متباعدة والبيئة الجوية "متنازعاً عليها".
تستثمر Rolls-Royce حالياً أكثر من 1.5 مليار دولار في منشآتها بمدينة Indianapolis لتصنيع وتجميع واختبار محركات F130، مما يخلق آلاف الوظائف عالية التقنية ويعيد تنشيط قاعدة التصنيع الدفاعي الأمريكية. نجاح هذا المشروع سيعزز من هيمنة الشركة على سوق المحركات الخاصة بالطائرات العسكرية غير القتالية والطائرات الاستراتيجية، وقد يفتح الباب أمام صفقات مماثلة لتحديث أساطيل دول أخرى تعتمد على قاذفات أو طائرات نقل ثقيلة قديمة، مما يضع معياراً جديداً لاستدامة الأساطيل الجوية لعقود طويلة.
مع اكتمال اختبارات الارتفاع بنجاح، تنتقل الأنظار الآن إلى "مركز ناسا ستينيس للفضاء" (NASA Stennis Space Center) لمزيد من اختبارات الحوايا المزدوجة، تمهيداً لبدء تعديل أول طائرتين من طراز B-52 العام القادم. إن محرك F130 ليس مجرد قطعة ميكانيكية، بل هو "إكسير الحياة" الذي سيضمن بقاء الـ B-52J مرعبة في أعالي الجو، محتفظة بهيبتها الاستراتيجية أمام أي تحديات مستقبلية.
بهذه الخطوة، تؤكد Rolls-Royce أنها شريك لا غنى عنه في أمن القوى العظمى، محولةً تحدي الشيخوخة الذي يواجه الطائرات العسكرية إلى قصة نجاح تكنولوجي واقتصادي مبهرة.