شهد قطاع الإنذار المبكر تطورًا لافتًا بعد نجاح شركة Saab بالتعاون مع
General Atomics Aeronautical Systems (GA-ASI) في تنفيذ أول رحلة لطائرة
MQ-9B مزودة بمنظومة الإنذار المبكر LoyalEye، لتصبح بذلك أول منصة إنذار
مبكر وتحكم جوي غير مأهولة من هذا النوع على مستوى العالم. ويُنظر إلى هذا
التطور باعتباره أحد أبرز التحولات في مستقبل عمليات المراقبة الجوية
والإنذار المبكر، وهي مهمة ظلت لعقود حكرًا على الطائرات الكبيرة المأهولة
مثل E-3 Sentry وE-7 Wedgetail وGlobalEye.
وبحسب ما أعلنته Saab
وGA-ASI، جرت الرحلة الأولى في 19 مايو 2026 من منشأة Desert Horizon
التابعة لـGA-ASI في ولاية كاليفورنيا، حيث جرى دمج مستشعر الإنذار المبكر
LoyalEye مع الطائرة MQ-9B ضمن برنامج تطوير مشترك بدأ عام 2025. وتمثل
الرحلة بداية مرحلة اختبارات وتقييم تمتد عدة أشهر قبل إجراء عرض كامل
لقدرات المنظومة في وقت لاحق من العام الجاري.
ويعتمد المشروع على دمج
رادار LoyalEye المطور من Saab مع الطائرة MQ-9B المعروفة بقدرتها على
التحليق لفترات طويلة للغاية مقارنة بالطائرات المأهولة التقليدية. وتتمتع
MQ-9B بقدرة بقاء في الجو تتجاوز 40 ساعة في بعض المهام، ما يمنحها أفضلية
كبيرة في مهام الإنذار المبكر والمراقبة المستمرة مقارنة بمنصات AWACS
التقليدية التي تحتاج إلى أطقم كبيرة ودورات تشغيل أكثر تعقيدًا.
ووفقًا
للشركتين، تهدف المنظومة الجديدة إلى توفير قدرات كشف وتتبع للتهديدات
الجوية تشمل المقاتلات والطائرات القاذفة والصواريخ الموجهة والطائرات
المسيّرة والذخائر الجوية المختلفة، مع إمكانية نقل البيانات عبر وصلات
اتصال مباشرة أو عبر الأقمار الصناعية إلى مراكز القيادة والسيطرة أو إلى
الطائرات المقاتلة العاملة في مسرح العمليات.
ويمثل LoyalEye نسخة جديدة
من خبرة Saab الطويلة في مجال الإنذار المبكر الجوي، والتي تشمل عائلة
Erieye ومنصة GlobalEye الشهيرة. لكن الجديد هنا هو نقل هذه القدرات إلى
منصة غير مأهولة منخفضة التكلفة نسبيًا مقارنة بطائرات الإنذار المبكر
التقليدية، ما يفتح الباب أمام مفهوم جديد قائم على نشر أعداد أكبر من
منصات الإنذار المبكر بدل الاعتماد على عدد محدود من الطائرات الاستراتيجية
مرتفعة الثمن.
يمنح المشروع القوات الجوية والبحرية خيارًا جديدًا
لتوسيع تغطية الرصد الجوي دون المخاطرة بأطقم بشرية داخل مناطق التهديد
المرتفع. فبدلًا من الدفع بطائرة إنذار مبكر كبيرة ومكلفة إلى مسافات قريبة
من جبهات القتال، يمكن نشر عدد من طائرات MQ-9B المزودة برادارات LoyalEye
لتشكيل شبكة إنذار مبكر موزعة جغرافيًا وأكثر قدرة على الصمود أمام
الهجمات المعادية.
كما أن انخفاض تكلفة التشغيل مقارنة بمنصات مثل E-7
Wedgetail أو GlobalEye قد يمنح العديد من الدول المتوسطة فرصة امتلاك
قدرات إنذار مبكر جوية كانت في السابق حكرًا على القوى العسكرية الكبرى.
وتكتسب هذه النقطة أهمية متزايدة في ظل ارتفاع أسعار الطائرات المتخصصة
وصعوبة توفير أطقم كبيرة لتشغيلها وصيانتها.
ومن الناحية الاستراتيجية،
يحمل المشروع دلالات أعمق تتجاوز مجرد تطوير منصة جديدة. فالحروب الحديثة
تشهد تحولًا متزايدًا نحو مفهوم "الاستشعار الموزع"، حيث يجري توزيع
المستشعرات والرادارات على عدد كبير من المنصات المأهولة وغير المأهولة بدل
تركيزها في عدد محدود من الأصول الاستراتيجية عالية القيمة. ويقلل هذا
النهج من مخاطر فقدان القدرة على الإنذار المبكر نتيجة إسقاط منصة واحدة أو
استهداف قاعدة جوية بعينها.
كما أن المشروع قد يفرض تحديًا مستقبليًا
على سوق طائرات الإنذار المبكر التقليدية، خصوصًا في وقت تتزايد فيه
التساؤلات داخل العديد من الدول الغربية حول قابلية بقاء الطائرات الضخمة
مثل E-3 وE-7 داخل بيئات القتال الحديثة التي تنتشر فيها الصواريخ بعيدة
المدى والطائرات الشبحية وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة. فكلما ارتفعت قيمة
المنصة وارتبطت بوجود طاقم كبير، زادت حساسية خسارتها في أي نزاع واسع
النطاق.
وفي هذا السياق، يبدو أن Saab تحاول استباق التحولات القادمة في
سوق الإنذار المبكر العالمي. فبعد نجاح منصة GlobalEye في تحقيق اختراقات
تصديرية مهمة خلال السنوات الأخيرة، تسعى الشركة الآن إلى فتح سوق جديدة
بالكامل تقوم على منصات الإنذار المبكر غير المأهولة. وإذا نجحت الاختبارات
الحالية وأثبتت المنظومة كفاءتها العملياتية، فقد نشهد خلال العقد المقبل
ظهور فئة جديدة من طائرات "AWACS غير المأهولة" تعمل إلى جانب المنصات
التقليدية أو تحل محل بعضها في مهام معينة.
كما تبرز أهمية المشروع
بالنسبة للقوات البحرية، إذ تشير تقارير متخصصة إلى أن المنظومة قد تكون
جذابة بشكل خاص للبحريات التي تشغل حاملات طائرات أو سفن هجومية كبيرة، حيث
يمكن لطائرات MQ-9B توفير تغطية إنذار مبكر مستمرة فوق الأساطيل البحرية
لفترات أطول بكثير من الطائرات المأهولة التقليدية، وبتكلفة تشغيلية أقل.
وفي
المحصلة، لا يمثل برنامج MQ-9B LoyalEye مجرد إضافة رادار جديد إلى طائرة
مسيّرة معروفة، بل يعكس بداية تحول محتمل في فلسفة الإنذار المبكر الجوي
نفسها. فبدل الاعتماد على عدد محدود من الطائرات الاستراتيجية باهظة الثمن،
قد تتجه القوات الجوية مستقبلاً إلى شبكات من المنصات غير المأهولة
القادرة على البقاء في الجو لعشرات الساعات وتوفير تغطية مستمرة للمجال
الجوي والبحري، وهو تحول قد يعيد رسم ملامح سوق الإنذار المبكر والتحكم
الجوي العالمي خلال السنوات المقبلة.