في لحظة فارقة من تاريخ الطيران العسكري، أعلنت شركة General Atomics Aeronautical Systems, Inc. (GA-ASI) عن تحقيق إنجاز تكنولوجي غير مسبوق في تطوير طائرتها المسيرة القتالية المتقدمة المعروفة باسم Collaborative Combat Aircraft (CCA)، أو ما يُصطلح عليه تقنياً بـ "Wingman" (الطيار المساعد). هذا الكشف، الذي جاء ضمن فعاليات ندوة الحرب الجوية السنوية، يمثل الانتقال الفعلي من مرحلة التصاميم النظرية إلى واقع العمليات الجوية الذكية التي تعتمد على التلاحم بين العنصر البشري والذكاء الاصطناعي.
تأتي هذه الخطوة ضمن برنامج طموح تقوده القوات الجوية الأمريكية لتطوير أسطول من الطائرات المسيرة ذات التكلفة المنخفضة والقدرات العالية، حيث وقع الاختيار على شركة General Atomics لتكون الرائدة في تصميم هذه المنصة التي ستغير وجه المعارك الجوية في العقود القادمة. وتتضمن التفاصيل المعلنة نية البدء في إنتاج أولي يتجاوز مئات الوحدات، مع جدول زمني يهدف لإدخالها الخدمة الفعلية قبل نهاية العقد الحالي.
تعتمد المسيرة الجديدة من General Atomics على هندسة تصميمية مفتوحة تسمح بدمج حمولات متنوعة حسب طبيعة المهمة. الطائرة، التي تشبه في تصميمها الديناميكي طائرات الجيل الخامس والسادس، مصممة للعمل كـ "مضاعف قوة" للطائرات المقاتلة المأهولة مثل F-35 Lightning II و Next Generation Air Dominance (NGAD).
تتميز المسيرة بقدرات تخفي (Stealth) متقدمة، ومزودة بمحرك توربيني نفاث يوفر لها سرعات عالية تمكنها من مرافقة المقاتلات النفاثة في مهام الاختراق العميق. ومن الناحية التسليحية، صُممت المنصة لتحمل صواريخ جو-جو وجو-أرض، بالإضافة إلى مستشعرات رادارية وحرارية متطورة تسمح لها بالقيام بمهام الاستطلاع وتحديد الأهداف وتضليل الدفاعات الجوية المعادية. الابتكار الحقيقي يكمن في نظام الاستقلالية (Autonomy) الذي تطوره General Atomics، والذي يسمح للمسيرة باتخاذ قرارات تكتيكية في أجزاء من الثانية دون تدخل مباشر من الطيار البشري، مما يقلل العبء الذهني على الطيارين في قمرة القيادة.
تمثل هذه الصفقة والتطوير المتسارع لمنصة General Atomics CCA رداً استراتيجياً مباشراً على تصاعد التهديدات في مسارح العمليات المعقدة، وتحديداً في منطقة المحيطين الهادئ والهندي. إن مفهوم "الطيار المساعد" يهدف إلى حل معضلة "الكم مقابل الكيف"؛ فبينما تمتلك القوات الجوية طائرات مأهولة باهظة الثمن ومعقدة، توفر مسيرات General Atomics أعداداً كبيرة من المنصات القتالية القادرة على استنزاف دفاعات العدو وحماية الطيارين البشريين من المخاطر العالية.
استراتيجياً، تعني هذه الخطوة تحولاً في العقيدة العسكرية من الاعتماد على منصات منفردة إلى "نظام الأنظمة" (System of Systems). حيث تصبح الطائرة المأهولة "مركز قيادة طائر" يتحكم في سرب من المسيرات الذكية التي تنفذ المهام الأخطر. هذا التحول سيجبر القوى المنافسة على إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية، حيث لم يعد كافياً إسقاط الطائرة القائدة لإحباط الهجوم، بل يجب التعامل مع سرب كامل من المنصات الانتحارية والقتالية الذكية.
على مستوى السوق العالمي، تضع General Atomics معياراً جديداً للمنافسة في قطاع الطائرات بدون طيار. نجاح هذه المنصة سيعزز هيمنة الشركة الأمريكية على سوق المسيرات عالية الأداء، وسيدفع شركات كبرى مثل Boeing و Northrop Grumman إلى تسريع وتيرة ابتكاراتها للحاق بالركب.
من المتوقع أن يثير هذا المنتج اهتماماً واسعاً من الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة الذين يسعون لتحديث أساطيلهم الجوية بتكلفة معقولة مقارنة بشراء طائرات مأهولة إضافية. إن القدرة على إنتاج هذه المسيرات بكميات كبيرة (Mass Production) وبأسعار تنافسية ستخلق سوقاً جديداً بالكامل يقدر بمليارات الدولارات خلال العقد القادم، مما يحول التركيز العالمي من "السيادة الجوية التقليدية" إلى "السيادة الجوية المعتمدة على الاستقلالية والذكاء الاصطناعي".