أخبار: تركيا تطلب أول دفعة من المقاتلة الشبحية "KAAN" محلية الصنع

تسارع تركيا خطواتها لتحويل مشروع المقاتلة الشبحية KAAN من برنامج تطوير طموح إلى منصة قتالية استراتيجية مرشحة لإعادة تشكيل ميزان القوى الجوية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، بعدما أعلنت أنقرة الانتقال رسميًا إلى مرحلة الإنتاج الأولي والتوسع في بناء النماذج التجريبية، في مؤشر واضح على أن المشروع تجاوز مرحلة “العرض السياسي” إلى مسار صناعي وعسكري فعلي.

وخلال معرض SAHA 2026 الدفاعي في إسطنبول، وقّعت رئاسة الصناعات الدفاعية التركية SSB مع شركة Turkish Aerospace Industries (TAI/TUSAŞ) أول عقد إنتاج رسمي للمقاتلة KAAN Block-10 لصالح القوات الجوية التركية، يتضمن تصنيع 20 مقاتلة شبحية يجري تسليمها تدريجيًا بين عامي 2028 و2030، في خطوة تمثل نقطة التحول الأهم في تاريخ برنامج المقاتلة الوطنية التركية.

ويأتي هذا التطور بعد أقل من عامين على تنفيذ KAAN أول رحلة طيران ناجحة في فبراير 2024، وهي الرحلة التي اعتُبرت لحظة فارقة في مسار الصناعات الجوية التركية، خصوصًا أن المشروع انطلق أساسًا بعد استبعاد أنقرة من برنامج F-35 Lightning II الأمريكي عام 2019 نتيجة أزمة منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400.

ومنذ ذلك الحين، تحولت KAAN إلى أحد أكثر البرامج الدفاعية حساسية داخل تركيا، ليس فقط بسبب كلفته الضخمة التي تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، بل لأنه يرتبط مباشرة بطموح أنقرة لتحقيق استقلال استراتيجي في قطاع الطيران القتالي المتقدم وتقليل الاعتماد على المنظومات الغربية المقيدة سياسيًا وتقنيًا.

وبحسب المعطيات التي كشفتها مصادر دفاعية تركية، فإن البرنامج يشهد حاليًا تسارعًا كبيرًا في وتيرة التطوير، حيث تعمل TAI على عدة نماذج أولية بالتوازي، تشمل نماذج اختبار طيران وأخرى مخصصة للاختبارات الهيكلية والأرضية، في محاولة لتقليص الجدول الزمني والوصول إلى مرحلة الجاهزية العملياتية بأسرع وقت ممكن.

كما كشفت صور ومقاطع رسمية خلال الأشهر الماضية عن ظهور نماذج جديدة من KAAN تحمل تعديلات تصميمية واضحة تهدف إلى تعزيز خصائص التخفي وتقليل البصمة الرادارية، بما في ذلك إعادة تصميم مداخل الهواء، وتقليل المسافة بين المحركات، وإعادة دمج بعض الهوائيات والمستشعرات داخل هيكل الطائرة.

وتسعى تركيا من خلال هذه التعديلات إلى الاقتراب أكثر من معايير الجيل الخامس الحقيقية، وهي المعايير التي لا تعتمد فقط على الشكل الخارجي للطائرة، بل تشمل التكامل الكامل بين التخفي والرادارات المتقدمة والوعي الميداني الشبكي والذكاء الاصطناعي وإدارة المعركة الرقمية.

ووفقًا للتقارير المتخصصة، فإن النسخة الأولية Block-10 ستعتمد في البداية على محركات F110-GE-129 الأمريكية المستخدمة أيضًا في مقاتلات F-16 التركية، إلى حين الانتهاء من تطوير المحرك المحلي الجديد الذي تعمل عليه شركات TRMotor وTEI ضمن مشروع المحرك الوطني عالي الدفع.

وخلال معرض SAHA 2026 أيضًا، كشفت تركيا لأول مرة عن مشروع المحرك النفاث الجديد GÜÇHAN بقوة دفع تصل إلى 42 ألف رطل، وهو ما اعتبره مراقبون أحد أهم المؤشرات على سعي أنقرة للوصول إلى الاستقلال الكامل في مجال المحركات النفاثة العسكرية، وهو المجال الذي يُعد من أصعب وأعقد قطاعات الصناعات الجوية عالميًا.

ويمثل ملف المحرك أحد أكبر التحديات أمام برنامج KAAN، إذ إن امتلاك مقاتلة شبحية محلية دون محرك وطني يبقي البرنامج تحت ضغط القيود الغربية واحتمالات حظر التصدير أو تقييد الاستخدام. ولهذا تعمل أنقرة على تسريع برنامج المحرك الوطني بالتوازي مع تطوير الطائرة نفسها.

كما تعتمد KAAN على مجموعة واسعة من الأنظمة الإلكترونية التركية محلية التطوير، من بينها رادار MURAD AESA وأنظمة الاستشعار الكهروبصرية TOYGUN EOTS ومنظومة البحث والتتبع الحراري KARAT IRST، في إطار توجه تركي واضح لبناء مقاتلة تعتمد بأكبر قدر ممكن على سلسلة إمداد محلية.

ومن الناحية العملياتية، تُصمم KAAN لتكون مقاتلة متعددة المهام تجمع بين التفوق الجوي والهجوم الأرضي والقتال الشبكي، مع قدرة على حمل الأسلحة داخل حجرات داخلية للحفاظ على خاصية التخفي أثناء تنفيذ المهام الحساسة. كما تشير التقارير إلى أن الطائرة ستتضمن بنية برمجية معيارية تسمح بتطويرها مستقبلًا وربطها بالأنظمة غير المأهولة والطائرات المسيرة القتالية التركية.

اللافت أن المشروع لم يعد يقتصر على الاحتياجات التركية فقط، بل تحول إلى منصة تصدير استراتيجية تستهدف أسواق الشرق الأوسط وآسيا. فقد أكدت تقارير حديثة وجود مفاوضات متقدمة مع السعودية بشأن الانضمام إلى البرنامج أو شراء المقاتلة مستقبلًا، بينما ظهرت مؤخرًا مؤشرات على محادثات أولية مع إسبانيا أيضًا.

كما سبق لإندونيسيا أن أعلنت اهتمامها بالحصول على 48 مقاتلة من البرنامج، ما يعكس سعي أنقرة لتحويل KAAN إلى منافس دولي في سوق المقاتلات المتقدمة، خاصة للدول التي تبحث عن بديل أقل ارتباطًا بالقيود السياسية الأمريكية المرتبطة ببرامج مثل F-35.

واستراتيجيًا، يحمل المشروع دلالات تتجاوز تركيا نفسها. فنجاح أنقرة في إدخال مقاتلة شبحية محلية إلى الخدمة سيجعلها واحدة من عدد محدود جدًا من الدول القادرة على تطوير هذا النوع من الطائرات، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والصين، وربما كوريا الجنوبية جزئيًا عبر برنامج KF-21.

ويعكس ذلك تحولًا أوسع في بنية الصناعات الدفاعية العالمية، حيث بدأت قوى إقليمية متوسطة مثل تركيا وكوريا الجنوبية والهند تسعى إلى كسر احتكار القوى الكبرى لتكنولوجيا الطيران القتالي المتقدم، مدفوعة برغبة متزايدة في الاستقلال العسكري والسيادة التقنية.

لكن رغم التقدم السريع، لا يزال برنامج KAAN يواجه تحديات ضخمة، أبرزها إثبات فعالية خصائص التخفي الحقيقية للطائرة، وتطوير مواد امتصاص الرادار، وضمان موثوقية الأنظمة الإلكترونية والمحركات على المدى الطويل. كما يشكك بعض الخبراء في قدرة تركيا على الوصول سريعًا إلى مستوى النضج العملياتي الذي تتمتع به برامج مثل F-35 أو F-22 Raptor الأمريكية.

ومع ذلك، فإن مجرد وصول البرنامج إلى مرحلة الإنتاج الأولي يمثل إنجازًا صناعيًا واستراتيجيًا كبيرًا لأنقرة، خاصة أن تركيا كانت قبل سنوات قليلة تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد في قطاع المقاتلات المتقدمة.

كما أن المشروع يعزز مكانة الصناعات الجوية التركية عالميًا، ويمنح شركات مثل TAI وAselsan وRoketsan فرصًا هائلة لتوسيع خبراتها وقدراتها التصديرية، خصوصًا في ظل الطفرة غير المسبوقة التي يشهدها الإنفاق الدفاعي العالمي منذ الحرب الروسية الأوكرانية.

ويرى مراقبون أن السنوات الأربع المقبلة ستكون حاسمة لمستقبل البرنامج، إذ ستحدد اختبارات الطيران المكثفة وقدرة تركيا على الالتزام بجدول التسليم ما إذا كانت KAAN ستتحول فعلًا إلى مقاتلة جيل خامس مكتملة المواصفات، أم ستبقى مشروعًا طموحًا يواجه تحديات تقنية معقدة.

لكن المؤكد حتى الآن أن أنقرة نجحت بالفعل في فرض نفسها لاعبًا رئيسيًا في سباق المقاتلات المتقدمة، وأن KAAN لم يعد مجرد مشروع محلي، بل تحول إلى أداة نفوذ جيوسياسي وصناعي قد تعيد رسم توازنات سوق الطيران العسكري العالمي خلال العقد المقبل.