في واحدة من أضخم الصفقات البحرية التي تشهدها منطقة جنوب شرق آسيا، أعلنت مجموعة TAIS Shipyards التركية الرائدة في صناعة السفن الحربية، عن توقيع اتفاقية إطارية وتاريخية مع وزارة الدفاع الإندونيسية، تهدف إلى تعزيز القدرات الردعية للبحرية الإندونيسية من خلال توريد وبناء سلسلة من الفرقاطات المتطورة. هذا التعاون الذي أُعلن عن تفاصيله النهائية في 21 يناير 2026، يمثل نقطة تحول جوهرية في العلاقات الدفاعية بين أنقرة وجاكرتا، ويؤكد الطموحات الإندونيسية المتزايدة لتحديث أسطولها البحري لمواجهة التحديات الجيوسياسية المتنامية في بحر الصين الجنوبي.
تتجاوز هذه الاتفاقية مجرد عملية شراء تقليدية؛ حيث تنص المذكرة الموقعة بين TAIS Shipyards والجانب الإندونيسي على بناء فرقاطات من طراز متطور يعتمد على التصاميم التركية التي أثبتت كفاءتها في المهام القتالية المتعددة. ومن أبرز ملامح هذه الصفقة هو التركيز على "التوطين الصناعي"، حيث سيتم بناء السفن بالتعاون مع ترسانة بناء السفن الإندونيسية المملوكة للدولة PT PAL.
وتتضمن المواصفات الفنية للفرقاطات دمج أنظمة قتالية متقدمة تشمل رادارات بعيدة المدى، ومنظومات صواريخ سطح-سطح وسطح-جو، بالإضافة إلى قدرات متطورة في حرب الغواصات (Anti-Submarine Warfare). ويهدف البرنامج إلى تسليم الوحدات الأولى في غضون جدول زمني مكثف، مع ضمان نقل الخبرات الهندسية التركية إلى المهندسين الإندونيسيين، مما يتيح لجاكرتا مستقبلاً صيانة وتطوير هذه المنصات بشكل مستقل.
تحمل هذه الصفقة أبعاداً استراتيجية عميقة في محيطها الإقليمي. فإندونيسيا، التي تمتلك أرخبيلاً شاسعاً وممرات مائية هي الأهم عالمياً، تجد نفسها اليوم في قلب التنافس بين القوى الكبرى. إن اللجوء إلى التكنولوجيا التركية من خلال TAIS Shipyards يعكس رغبة جاكرتا في تنويع مصادر تسلحها بعيداً عن الضغوط التقليدية لشرق أو غرب القارة، والاعتماد على شريك دفاعي صاعد مثل تركيا يقدم حلولاً تكنولوجية متطورة دون قيود سياسية معقدة.
استراتيجياً، تعزز هذه الفرقاطات من قدرة إندونيسيا على فرض سيادتها في المناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ)، والقيام بدوريات طويلة المدى في مناطق التوتر. كما أن هذا التعاون يرسخ مكانة تركيا كلاعب أمني "موازن" في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث لم تعد أنقرة مجرد مصدر للمسيرات، بل أصبحت الآن منافساً شرساً في صناعة السفن الحربية الثقيلة، مما يمنح الدول الآسيوية خيارات استراتيجية جديدة لتعزيز أمنها البحري.