أخبار: أستراليا تدشن عهداً نووياً جديداً بإنشاء أضخم مجمع لبناء الغواصات في "أديلايد"

في لحظة تاريخية توصف بأنها "القفزة الكبرى" في القدرات الدفاعية الأسترالية، أعلنت الحكومة الأسترالية بالتعاون مع شركائها في تحالف AUKUS (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة)، عن البدء الرسمي في إنشاء مجمع Osborne Submarine Construction Yard المتطور في جنوب أستراليا. هذا المرفق السيادي، الذي تشرف عليه شركة Australian Submarine Agency (ASA) بالتعاون مع العملاق البريطاني BAE Systems وشركة ASC Pty Ltd الأسترالية، يمثل الحجر الزاوية في بناء الجيل القادم من الغواصات العاملة بالدفع النووي، مما يضع كانبرا ضمن النادي الضيق للدول القادرة على تصنيع وتشغيل أكثر الأسلحة البحرية فتكاً وتعقيداً في التاريخ.

يأتي هذا الإعلان تنفيذاً لـ "المسار الأمثل" (Optimal Pathway) الذي أُعلن عنه ضمن اتفاقية AUKUS، حيث تبلغ الاستثمارات المبدئية في تطوير البنية التحتية لحوض بناء الغواصات مليارات الدولارات الأسترالية. الصفقة لا تقتصر على بناء الجدران والأرصفة، بل تشمل نقل تكنولوجيا مفاعلات الدفع النووي من طراز SSN-AUKUS، وهي الغواصة التي ستجمع بين التصميم البريطاني المتطور والتقنيات القتالية الأمريكية المذهلة.

المجمع الجديد سيمتد على مساحات شاسعة وسيضم ورشاً متخصصة في لحام الفولاذ عالي المقاومة، ومراكز لدمج النظم القتالية المتقدمة، ومرافق لاختبار المفاعلات النووية (بدون وقود في المراحل الأولى). كما تم توقيع اتفاقيات تدريبية كبرى تشمل إرسال مئات المهندسين والفنيين الأستراليين إلى منشآت General Dynamics Electric Boat في الولايات المتحدة و BAE Systems في "بارو إن فورنيس" بالمملكة المتحدة، لضمان اكتساب الخبرات اللازمة لبناء غواصات SSN-AUKUS محلياً بدءاً من أواخر عشرينيات القرن الحالي.

استراتيجياً، يمثل هذا المشروع تحولاً جذرياً في دور أستراليا من "قوة إقليمية" إلى "لاعب عالمي" مؤثر في توازن القوى البحري. إن امتلاك غواصات تعمل بالدفع النووي (SSN) يمنح البحرية الملكية الأسترالية قدرات "تخفٍ" و"مدى" لا نهائية تقريباً، مما يسمح لها بالعمل في أعماق المحيطين الهادئ والهندي لشهور دون الحاجة للتزود بالوقود أو الظهور على السطح.

هذا المجمع في "أديلايد" هو الرد العملي على تزايد القوة البحرية الصينية في المنطقة؛ فهو يحول أستراليا إلى "قلعة صناعية" جنوبية مؤمنة وبعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة، لكنها قادرة على إرسال قوتها الضاربة إلى أي مكان في العالم. إن دلالة الصفقة تكمن في "الاندماج البنيوي" بين الصناعات الدفاعية للدول الثلاث، حيث أصبح أمن أستراليا جزءاً لا يتجزأ من السلسلة الصناعية الدفاعية الأمريكية-البريطانية، وهو ما يعزز مفهوم "الردع الجماعي" ضد أي محاولة لتغيير الوضع القائم في البحار الدولية.

على المستوى العالمي، يعد مشروع بناء الغواصات في أستراليا أكبر محفز للنمو في قطاع الصناعات البحرية العسكرية منذ عقود. شركات مثل BAE Systems و Rolls-Royce (المسؤولة عن المفاعلات) و Lockheed Martin (المسؤولة عن أنظمة القتال) ستشهد نمواً هائلاً في تدفقاتها النقدية نتيجة لهذا المشروع الذي سيمتد لنصف قرن.

التأثير العالمي يتجاوز المبيعات؛ نحن أمام "ثورة في سلاسل التوريد". فأستراليا تعمل الآن على بناء قاعدة صناعية لإنتاج مكونات دقيقة تدخل في صلب التكنولوجيا النووية العسكرية، مما سيؤدي إلى ظهور معايير أمنية وتقنية جديدة (Standardization) بين دول التحالف. كما أن هذا المشروع يضغط على فرنسا وروسيا والصين لتطوير مضادات غواصات وتقنيات رصد أكثر تقدماً، مما يشعل سباق تسلح تكنولوجي "تحت الماء" سيهيمن على الإنفاق الدفاعي العالمي في الثلاثين عاماً القادمة. إن "نموذج أديلايد" سيصبح المرجع للدول التي تسعى لتوطين صناعات دفاعية استراتيجية فائقة التعقيد عبر التحالفات العابرة للقارات.

إن وضع حجر الأساس لمرفق بناء الغواصات في أديلايد ليس مجرد مشروع إنشائي، بل هو إعلان عن ميلاد "أستراليا النووية" كقوة بحرية لا يستهان بها. بفضل الشراكة مع BAE Systems و ASC، وبدعم من خبرات AUKUS، تستعد القارة البعيدة لتصبح مركز الثقل الجديد في الأمن البحري العالمي. إن غواصات SSN-AUKUS التي ستخرج من هذا المرفق لن تحمل صواريخ وطوربيدات فحسب، بل ستحمل طموح أمة قررت أن تحجز مقعداً دائماً في قمرة قيادة النظام الدولي الجديد.