وافقت الحكومة اليونانية على المضي في برنامج لاقتناء أربع فرقاطات إيطالية من فئة FREMM Bergamini لصالح البحرية اليونانية، في خطوة تمثل واحدة من أكبر صفقات التسلح البحري في شرق البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة، وتعكس تسارع سباق تحديث الأساطيل البحرية الإقليمية وسط التوترات المتزايدة في شرق المتوسط وبحر إيجه. ويُنظر إلى الصفقة باعتبارها تحولاً استراتيجياً مهماً في بنية القوة البحرية اليونانية، خصوصاً مع سعي أثينا إلى بناء أسطول أكثر قدرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى متعددة المهام داخل بيئة بحرية شديدة التعقيد والتنافس.
وتأتي الخطوة اليونانية في سياق برنامج واسع لإعادة تحديث القوات البحرية والجوية اليونانية بعد سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية التي حدّت من وتيرة الإنفاق الدفاعي. لكن التحولات الجيوسياسية في شرق المتوسط، وتصاعد المنافسة البحرية الإقليمية، دفعت أثينا خلال الأعوام الأخيرة إلى إطلاق موجة تسلح بحرية غير مسبوقة تشمل الغواصات والفرقاطات والطائرات البحرية ومنظومات التسليح بعيدة المدى.
ووفق المعطيات المنشورة، فإن الصفقة تشمل أربع فرقاطات من فئة FREMM الإيطالية المعروفة داخل البحرية الإيطالية باسم Bergamini-class، وهي واحدة من أكثر الفرقاطات الأوروبية تطوراً ونجاحاً خلال العقدين الأخيرين. وقد طُورت هذه الفئة ضمن برنامج تعاون فرنسي ـ إيطالي مشترك بين شركتي Fincantieri الإيطالية وNaval Group الفرنسية، لتوفير منصة بحرية متعددة المهام قادرة على تنفيذ طيف واسع من العمليات البحرية الحديثة.
وتتميز فرقاطات FREMM بقدرات كبيرة في مجالات الدفاع الجوي والحرب المضادة للغواصات والحرب السطحية والهجوم البري والاستطلاع البحري، ما يجعلها من أكثر المنصات البحرية مرونة داخل الأساطيل الغربية الحديثة. كما تمتلك السفن بصمة رادارية وصوتية منخفضة نسبياً، مع منظومات استشعار متطورة وقدرات قيادة وسيطرة شبكية تسمح لها بالعمل ضمن تشكيلات بحرية معقدة داخل عمليات الناتو أو العمليات المشتركة متعددة المجالات.
وتحمل الصفقة اليونانية دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز مجرد شراء سفن جديدة. فشرق البحر المتوسط تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الساحات البحرية حساسية في العالم، مع تداخل ملفات الطاقة وترسيم الحدود البحرية والتنافس الجيوسياسي والعسكري بين عدد من القوى الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، تسعى اليونان إلى بناء قوة بحرية قادرة على فرض حضور دائم وفعال عبر مساحات بحرية واسعة تشمل بحر إيجه وشرق المتوسط وخطوط الطاقة البحرية.
كما أن البحرية اليونانية تواجه تحدياً متزايداً يتمثل في ضرورة الحفاظ على توازن القوة مع تركيا، التي تنفذ بدورها برنامجاً بحرياً ضخماً يشمل بناء فرقاطات ومدمرات وسفن هجومية ومنصات غير مأهولة وحاملة الطائرات الخفيفة TCG Anadolu. ولذلك تنظر أثينا إلى تحديث أسطولها باعتباره ضرورة استراتيجية مباشرة وليست مجرد عملية تحديث تقليدية.
ومن الناحية العملياتية، تمنح فرقاطات FREMM اليونان قدرة أكبر على تنفيذ عمليات بعيدة المدى داخل شرق المتوسط، مع تحسين قدرات الحماية الجوية للتشكيلات البحرية ورفع مستوى مكافحة الغواصات، وهي نقطة شديدة الأهمية في بيئة بحرية تشهد نشاطاً مكثفاً للغواصات الحديثة. كما توفر السفن الجديدة قدرة أفضل على حماية البنية التحتية البحرية وخطوط الملاحة ومنشآت الطاقة البحرية التي أصبحت تمثل أحد أهم عناصر الصراع الجيوسياسي في المنطقة.
ويبدو واضحاً أن أثينا تراهن على بناء “أسطول عالي الجودة” بدلاً من التركيز على الكم العددي فقط. فالفرقاطات الجديدة ستعمل إلى جانب فرقاطات FDI HN Belharra الفرنسية التي تعاقدت عليها اليونان سابقاً، ما يمنح البحرية اليونانية مزيجاً متقدماً من المنصات البحرية الأوروبية الحديثة القادرة على العمل ضمن بيئة شبكية متكاملة.
كما تحمل الصفقة أبعاداً صناعية وسياسية مهمة داخل أوروبا. فاختيار منصة إيطالية يعكس استمرار تنامي التعاون الدفاعي بين أثينا وروما، كما يمنح شركة Fincantieri دفعة قوية داخل سوق الصناعات البحرية العسكرية الأوروبية، خاصة في ظل المنافسة الحادة بين الشركات الإيطالية والفرنسية والألمانية والبريطانية على عقود التحديث البحري داخل القارة.
ويشير مراقبون إلى أن FREMM أصبحت بالفعل واحدة من أنجح المنصات البحرية الأوروبية تصديرياً، بعدما دخلت الخدمة أو تم التعاقد عليها في عدة دول تشمل إيطاليا وفرنسا ومصر والمغرب والولايات المتحدة وإندونيسيا، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة في تصميمها ومرونتها العملياتية.
كما أن الصفقة تأتي في توقيت يشهد عودة قوية للإنفاق البحري عالمياً، بعدما أعادت الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات في المحيطين الهندي والهادئ وشرق المتوسط تسليط الضوء على أهمية السيطرة البحرية وحماية طرق الملاحة والطاقة والبنية التحتية تحت سطح البحر. ولذلك، تشهد أحواض بناء السفن العسكرية الأوروبية حالياً طفرة كبيرة في الطلب على الفرقاطات والغواصات والسفن متعددة المهام.
ومن الناحية الاستراتيجية الأوسع، تعكس الخطوة اليونانية تحولاً متزايداً داخل الدول المتوسطة الحجم نحو بناء قوات بحرية أكثر قدرة على العمل بعيداً عن السواحل الوطنية، مع التركيز على المرونة والردع البحري والقدرة على المشاركة في العمليات المشتركة متعددة المجالات. فالفرقاطات الحديثة لم تعد مجرد منصات قتالية بحرية تقليدية، بل تحولت إلى مراكز قيادة عائمة قادرة على دمج الدفاع الجوي والاستطلاع والحرب الإلكترونية والهجوم البحري ضمن منصة واحدة.
كما أن تعزيز الأسطول اليوناني بهذا المستوى قد يساهم في إعادة تشكيل بعض توازنات القوة البحرية في شرق المتوسط خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع استمرار سباق التسلح البحري الإقليمي بين عدة دول مطلة على المتوسط. فكل إضافة لمنصات بحرية متقدمة في المنطقة تؤثر بصورة مباشرة على حسابات الردع والانتشار والسيطرة البحرية.
وفي المحصلة، فإن اتجاه اليونان لاقتناء أربع فرقاطات FREMM Bergamini لا يمثل مجرد صفقة تسليح بحرية جديدة، بل يعكس تحركاً استراتيجياً أوسع لإعادة بناء القوة البحرية اليونانية ضمن بيئة إقليمية شديدة التنافس والتقلب. كما يؤكد أن شرق المتوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة التوازن البحري، حيث أصبحت السيطرة البحرية والقدرة على حماية المصالح الاقتصادية والطاقة والبنية التحتية أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية في المنطقة خلال العقود المقبلة.