في إطار جهودها المتواصلة لتعزيز قدراتها الدفاعية البحرية ورفع جاهزية قواتها المسلحة لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في مضيق تايوان، تتجه تايبيه إلى تنفيذ برنامج واسع لإنتاج أكثر من 1200 صاروخ من طراز Hai Chien II (Sea Sword II)، في خطوة تهدف إلى تعزيز المظلة الدفاعية الجوية لأسطولها البحري وتوحيد منظومات التسليح المستخدمة على مختلف السفن القتالية العاملة حالياً أو التي لا تزال قيد التطوير. ويعكس القرار تحولاً مهماً في العقيدة الدفاعية التايوانية التي باتت تركز بصورة متزايدة على بناء قدرات محلية قادرة على الصمود خلال أي مواجهة طويلة الأمد مع الصين.
ويأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه منطقة غرب المحيط الهادئ تصاعداً مستمراً في التوترات العسكرية بين بكين وتايبيه، حيث تواصل الصين توسيع أنشطتها الجوية والبحرية حول الجزيرة، بينما تسعى تايوان إلى تطوير منظومات ردع قادرة على زيادة كلفة أي عمل عسكري محتمل ضدها. وفي هذا السياق، تنظر المؤسسة العسكرية التايوانية إلى تعزيز الدفاع الجوي البحري باعتباره أحد العناصر الأساسية للحفاظ على بقاء الأسطول القتالي في بيئة عملياتية يتوقع أن تتعرض فيها السفن لهجمات كثيفة بواسطة الطائرات المقاتلة والصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة.
وبحسب المعلومات المتداولة داخل الأوساط العسكرية التايوانية، فإن البحرية تحتاج إلى ما لا يقل عن 688 صاروخاً لتجهيز السفن الموجودة حالياً في الخدمة أو الجاري بناؤها، بما في ذلك الفرقاطات المطورة من فئة Kang Ding-class، والفرقاطات الجديدة التي يجري تطويرها، وكورفيتات Tuo Chiang-class السريعة، إضافة إلى سفن الإنزال البرمائية من فئة Yushan-class. غير أن القيادة البحرية ترى أن هذا العدد لا يكفي لتأمين احتياطيات الحرب والتعويض عن الخسائر المحتملة خلال النزاعات واسعة النطاق، الأمر الذي رفع التقديرات النهائية إلى ما بين 1200 و1376 صاروخاً.
وتستند هذه الحسابات إلى تقييمات عسكرية تفترض أن القوات الصينية ستلجأ في حال نشوب مواجهة إلى تنفيذ هجمات إغراق مكثفة باستخدام أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة في محاولة لاستنزاف الدفاعات الجوية للسفن التايوانية. ولهذا السبب تفضل البحرية التايوانية امتلاك مخزون كبير من الذخائر الدفاعية يسمح لها بمواصلة القتال لفترات طويلة دون التعرض لخطر النقص السريع في الذخيرة.
ويُعد Sea Sword II النسخة البحرية من عائلة الصواريخ المحلية المعروفة باسم Sky Sword II (Tien Chien II) التي طورها National Chung-Shan Institute of Science and Technology (NCSIST). وقد جرى تصميم النسخة البحرية لتوفير طبقة دفاع جوي متوسطة المدى ضد الطائرات والصواريخ والطائرات المسيّرة، مع إمكانية دمجها ضمن منظومات الإطلاق العمودي الحديثة المستخدمة على السفن التايوانية.
ويتميز الصاروخ بقدرات متقدمة مقارنة بالأنظمة التي تسعى البحرية لاستبدالها. إذ يبلغ وزنه نحو 183 كيلوجراماً، ويصل مداه إلى قرابة 50 كيلومتراً، فيما تبلغ سرعته حوالي أربعة أضعاف سرعة الصوت، ما يمنحه قدرة كبيرة على التعامل مع التهديدات الجوية الحديثة خلال فترة زمنية قصيرة. كما يعتمد على باحث راداري نشط يتيح له الاشتباك مع الأهداف بصورة مستقلة خلال المرحلة النهائية من الطيران، الأمر الذي يرفع من احتمالات الإصابة ويزيد من مقاومته لوسائل الحرب الإلكترونية المعادية.
ومن أبرز المزايا التي توفرها المنظومة الجديدة قدرتها على العمل من خلال منظومات إطلاق عمودي محلية التطوير، ما يمنح السفن تغطية دفاعية بزاوية 360 درجة بدلاً من القيود التي كانت تفرضها بعض الأنظمة الأقدم. ويعتبر هذا التطور مهماً للغاية في ظل انتشار الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة القادرة على مهاجمة السفن من اتجاهات متعددة وفي توقيتات متزامنة.
وتشير الخطط الحالية إلى أن فرقاطات Kang Ding-class بعد تحديثها ستحمل ما يصل إلى 32 صاروخ Sea Sword II لكل سفينة، لتحل محل منظومات M48 Chaparral الأمريكية القديمة التي أصبحت محدودة الفعالية أمام التهديدات الحديثة. كما ستُجهز الفرقاطات الجديدة التي تعمل تايوان على تطويرها بنسخ متخصصة من الصاروخ وفقاً لطبيعة المهام المطلوبة، سواء للدفاع الجوي أو لمرافقة التشكيلات البحرية أو لحماية الوحدات البرمائية. أما كورفيتات Tuo Chiang-class فستحمل 16 صاروخاً لكل سفينة، ما يمنح هذه المنصات السريعة قدرة دفاعية أكبر أثناء تنفيذ تكتيكات "حرب الذئاب" البحرية التي تعتمد عليها البحرية التايوانية بصورة متزايدة.
ويأتي التوسع في إنتاج Sea Sword II ضمن استراتيجية أوسع تنفذها تايوان لتعزيز قدراتها الصاروخية المحلية في مواجهة التفوق الكمي الصيني. فقد شهدت السنوات الأخيرة استثمارات كبيرة في برامج الصواريخ المضادة للسفن والدفاع الجوي والذخائر بعيدة المدى، بالتوازي مع زيادة إنتاج صواريخ Hsiung Feng المضادة للسفن وتوسيع شبكة الدفاع الجوي متعددة الطبقات. وتهدف هذه المقاربة إلى بناء قوة ردع غير متماثلة تعتمد على أعداد كبيرة من الأسلحة الدقيقة منخفضة الكلفة نسبياً مقارنة بالمنصات التقليدية الثقيلة.
يمنح البرنامج البحرية التايوانية فرصة لتوحيد الذخائر وأنظمة الصيانة والتدريب على عدد أكبر من السفن، ما يؤدي إلى تبسيط العمليات اللوجستية وتقليل التكاليف المرتبطة بتشغيل أنواع متعددة من الصواريخ. كما يسمح ذلك بتسريع عمليات إعادة التذخير والإمداد خلال الأزمات، وهي عوامل أصبحت تحظى بأهمية متزايدة في التخطيط العسكري الحديث.
البرنامج يمثل دفعة قوية لقدرات تايوان المحلية في مجال تطوير وإنتاج الصواريخ الموجهة. ففي ظل القيود السياسية والتحديات المرتبطة بالحصول على بعض الأنظمة الأجنبية، تسعى تايبيه إلى توسيع اعتمادها على الصناعة الوطنية لتأمين احتياجاتها الدفاعية الأساسية. ويمنح إنتاج أكثر من ألف صاروخ من هذا النوع خبرات صناعية وتقنية مهمة يمكن الاستفادة منها في برامج مستقبلية أكثر تقدماً.
لا يمكن فصل هذا المشروع عن التغيرات المتسارعة في البيئة الأمنية المحيطة بتايوان. فالصين تواصل تطوير قدراتها البحرية والجوية بوتيرة غير مسبوقة، كما تعمل على توسيع ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تدرك تايبيه أن قدرتها على الصمود خلال المراحل الأولى من أي صراع ستكون عاملاً حاسماً في نجاح استراتيجية الردع. ولهذا السبب يركز المخططون العسكريون التايوانيون على تعزيز قدرة السفن القتالية على البقاء والاشتباك لفترات طويلة تحت ضغط هجمات كثيفة ومتعددة المحاور.
إن خطة إنتاج أكثر من 1200 صاروخ Sea Sword II لا تمثل مجرد برنامج تسليحي جديد، بل تعكس تحولاً استراتيجياً شاملاً في طريقة استعداد تايوان لمواجهة التحديات المستقبلية. فمن خلال بناء شبكة دفاع جوي بحري أكثر كثافة وتوحيداً واعتماداً على الإنتاج المحلي، تسعى الجزيرة إلى تعزيز قدرتها على حماية أسطولها البحري وإطالة أمد مقاومته في أي مواجهة محتملة، في وقت تتزايد فيه أهمية القوة الصاروخية كعامل حاسم في موازين القوة بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ.