أخبار: روسيا تدشن الغواصة النووية Ulyanovsk من فئة Yasen-M

دشنت روسيا الغواصة النووية الهجومية K-563 Ulyanovsk من فئة Project 885M Yasen-M في حوض بناء السفن Sevmash بمدينة Severodvinsk، في خطوة تمثل محطة جديدة ضمن برنامج موسكو لتحديث أسطولها من الغواصات النووية متعددة المهام. ويأتي تدشين الغواصة بعد تسع سنوات من بدء بنائها في 28 يوليو 2017، لتنتقل الآن إلى مرحلة استكمال التجهيزات والاختبارات البحرية، تمهيدًا لدخولها الخدمة العملياتية ضمن الأسطول الشمالي الروسي خلال عام 2027، وفقًا للجدول الزمني المعلن.

وتعد Ulyanovsk سادس غواصة إنتاجية من فئة Yasen-M، والسابعة ضمن عائلة Project 885/885M إذا أُخذت الغواصة الأولى Severodvinsk في الاعتبار. ويشكل هذا البرنامج العمود الفقري لخطة البحرية الروسية لإحلال الغواصات السوفيتية القديمة من فئات Akula وOscar II وSierra بمنصات نووية أكثر تطورًا، قادرة على تنفيذ مهام الهجوم البحري وضرب الأهداف البرية والاستطلاع ومكافحة الغواصات ضمن منصة واحدة متعددة الأدوار.

وتتميز غواصات Yasen-M بتصميم مطور مقارنة بالنسخة الأصلية من مشروع Yasen، حيث جرى تحسين مستويات التخفي الصوتي، وتحديث أنظمة القيادة والسيطرة والاستشعار، إلى جانب تطوير المفاعل النووي ومنظومة الدفع بما يرفع الكفاءة التشغيلية ويقلل البصمة الصوتية أثناء الإبحار. كما تعتمد الغواصة على هيكل انسيابي يهدف إلى تعزيز قدرتها على تنفيذ عمليات طويلة الأمد في أعالي البحار مع تقليل احتمالات اكتشافها بواسطة وسائل الحرب المضادة للغواصات.

وتتمتع Ulyanovsk بقدرات هجومية كبيرة، إذ تضم ثماني خلايا إطلاق رأسية يمكنها حمل ما يصل إلى 40 صاروخًا من طراز Kalibr للهجوم البري والبحري، أو 32 صاروخًا فرط صوتيًا من طراز Zircon، كما تستطيع تشغيل صواريخ Oniks المضادة للسفن بحسب طبيعة المهمة. وإلى جانب ذلك، زُودت الغواصة بعشرة أنابيب طوربيد عيار 533 ملم قادرة على إطلاق الطوربيدات الثقيلة أو الصواريخ البحرية، مع إمكانية حمل نحو 30 طوربيدًا وذخائر متنوعة، ما يمنحها مرونة كبيرة في تنفيذ مختلف أنواع العمليات القتالية تحت سطح البحر.

وتبلغ إزاحة الغواصة نحو 13,800 طن أثناء الغطس، ويصل طولها إلى قرابة 139 مترًا، بينما تعتمد على مفاعل نووي بقدرة تقارب 200 ميجاواط يوفر الطاقة لمحرك رئيسي بقوة تقارب 50 ألف حصان، ما يمكنها من بلوغ سرعة تصل إلى 31 عقدة بحرية تحت الماء، مع قدرة على الغوص حتى عمق يقارب 600 متر، والبقاء في البحر لنحو 100 يوم دون الحاجة إلى التزود بالوقود، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر الغواصات الروسية قدرة على تنفيذ الدوريات بعيدة المدى.

ورغم تدشين الغواصة، فإنها لن تدخل الخدمة مباشرة، إذ ستخضع خلال الأشهر المقبلة لمرحلة استكمال التجهيزات على الرصيف، يعقبها تنفيذ اختبارات الميناء ثم التجارب البحرية، قبل إجراء اختبارات القبول النهائية وتسليمها رسميًا إلى البحرية الروسية. وتعد هذه الإجراءات جزءًا طبيعيًا من دورة إنتاج الغواصات النووية، حيث تستغرق مرحلة الاختبارات عادة عدة أشهر للتحقق من أداء أنظمة الدفع والتسليح والاستشعار قبل اعتمادها للخدمة العملياتية.

ويأتي تدشين Ulyanovsk بالتزامن مع استمرار روسيا في بناء غواصات إضافية من الفئة نفسها، من بينها Voronezh وVladivostok، في إطار خطة تستهدف امتلاك 11 غواصة من مشروع 885/885M على المدى الطويل. ويعكس ذلك استمرار موسكو في إعطاء أولوية كبيرة لتطوير قواتها تحت سطح البحر، باعتبارها أحد أهم مكونات الردع البحري والاستراتيجي الروسي، خاصة في ظل تصاعد المنافسة البحرية مع حلف شمال الأطلسي في المحيط المتجمد الشمالي وشمال الأطلسي والمحيط الهادئ.

تمنح Yasen-M البحرية الروسية قدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى ضد أهداف بحرية وبرية من مواقع يصعب اكتشافها، مع الاحتفاظ بقدرات متقدمة في مكافحة الغواصات وحماية مجموعات السفن الروسية. كما أن الجمع بين صواريخ Kalibr وZircon داخل منصة واحدة يوفر مرونة كبيرة في اختيار الذخائر وفقًا لطبيعة الأهداف، سواء كانت سفنًا قتالية، أو بنى تحتية عسكرية، أو أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى، وهو ما يجعل الغواصة إحدى أهم أدوات القوة البحرية الروسية الحديثة.

كما يؤكد استمرار برنامج Yasen-M أن موسكو لا تزال تعتبر الغواصات النووية الهجومية أحد أبرز عناصر موازنة التفوق البحري الغربي، خاصة مع تزايد أهمية مسارح العمليات البحرية في القطب الشمالي وشمال الأطلسي. كما يعكس البرنامج حرص روسيا على الحفاظ على قدرة هجومية بحرية قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، وفرض تحديات متزايدة على شبكات الدفاع البحري التابعة لحلف الناتو، في ظل الاعتماد المتزايد على الصواريخ فرط الصوتية والأسلحة بعيدة المدى ضمن العقيدة العسكرية الروسية.

إن تدشين Ulyanovsk يؤكد استمرار Sevmash في لعب دور محوري باعتباره أكبر مركز روسي لبناء الغواصات النووية، رغم التحديات المرتبطة بالعقوبات الغربية والقيود المفروضة على قطاع الصناعات الدفاعية الروسي. كما يعكس البرنامج استمرار الاستثمار في إنتاج منصات بحرية متطورة ذات قيمة استراتيجية عالية، بما يعزز مكانة روسيا كإحدى القوى القليلة القادرة على تصميم وبناء غواصات نووية هجومية متقدمة، ويؤكد أن المنافسة العالمية في مجال الغواصات لم تعد تقتصر على القدرات القتالية، بل أصبحت تشمل أيضًا القدرة الصناعية على إنتاج هذه المنصات المعقدة والمحافظة على وتيرة تطويرها على المدى الطويل.