في لحظة تاريخية فارقة لسلاح البحرية الفلبيني (Philippine Navy)، أُعلن في يناير 2026 عن إبحار السفينة الأولى من فئة Rajah Sulayman-class، وهي سفينة دورية أعالي البحار (Offshore Patrol Vessel - OPV)، من حوض بناء السفن التابع لشركة HD Hyundai Heavy Industries (HD HHI) في مدينة "أولسان" بكوريا الجنوبية، متجهة نحو مانيلا. يمثل هذا الحدث التطور الأبرز في برنامج تحديث القوات المسلحة الفلبينية (AFP Modernization Program)، حيث تسعى الفلبين لتعزيز قبضتها الأمنية على مياهها الإقليمية ومنطقتها الاقتصادية الخالصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في بحر الصين الجنوبي.
تعد هذه السفينة، التي تحمل اسم البطل القومي "راجا سليمان"، الأولى ضمن عقد ضخم تم توقيعه بين وزارة الدفاع الوطني الفلبينية وشركة HD Hyundai Heavy Industries الكورية الجنوبية، والذي يشمل بناء ست سفن دورية متطورة من هذا الطراز. وقد صُممت هذه السفن خصيصاً لتلبية المتطلبات العملياتية الفريدة للأرخبيل الفلبيني، حيث تجمع بين المداى العملياتي الطويل، والقدرة على الصمود في البحار الهائجة، والتسليح المتطور الذي يجعلها قادرة على تنفيذ مهام تتراوح بين حماية الموارد البحرية، ومكافحة القرصنة، وصولاً إلى عمليات الدفاع البحري التقليدية.
تعتمد فئة Rajah Sulayman-class على تصميم منصة HDP-2200 الناجحة من إنتاج HD Hyundai، حيث يبلغ طول السفينة حوالي 94.4 متراً، وعرضها 14.3 متراً، وتصل إزاحتها إلى نحو 2450 طناً. صُممت السفينة لتعمل بسرعة قصوى تصل إلى 22 عقدة، مع مدى إبحار يتجاوز 5500 ميل بحري، مما يسمح لها بالبقاء في دوريات مطولة دون الحاجة للتزود بالوقود بشكل متكرر.
من الناحية التسليحية والتقنية، تم تجهيز السفينة بمنظومات قتالية متكاملة، تشمل مدفعاً رئيسياً من طراز 76mm Oto Melara، ومدافع ثانوية عيار 30 ملم، بالإضافة إلى منصات لإطلاق صواريخ مضادة للسفن وأنظمة دفاع جوي قصيرة المدى. كما تتميز السفينة بمهبط مخصص للمروحيات البحرية، وقدرة على تشغيل الطائرات بدون طيار (UAVs)، وزوارق قابلة للنفخ صلبة الهيكل (RHIBs) لعمليات الصعود والتفتيش السريع. إن دمج نظام إدارة القتال (Combat Management System) الكوري المتطور يمنح طاقم السفينة وعياً ظرفياً فائقاً وقدرة على تنسيق العمليات مع الوحدات البحرية والجوية الأخرى بكفاءة عالية.
استراتيجياً، يمثل تسلم الفلبين لهذه السفينة تحولاً من "الدفاع الساحلي المحدود" إلى "الدفاع النشط في أعالي البحار". ففي المحيط الجيوسياسي للفلبين، وتحديداً في ظل النزاعات القائمة حول "بحر الفلبين الغربي"، كانت البحرية الفلبينية تعاني تاريخياً من نقص في المنصات القادرة على مجابهة التحديات الكبيرة. إن دخول Rajah Sulayman-class للخدمة يمنح مانيلا أداة ردع تقليدية قادرة على فرض القانون البحري وحماية منصات استخراج الغاز والطاقة في مياهها العميقة.
علاوة على ذلك، تعزز هذه الصفقة "المحور الأمني الآسيوي" بين مانيلا وسيئول. فاعتماد الفلبين المتزايد على التكنولوجيا الدفاعية الكورية الجنوبية (بعد صفقات فرقاطات Jose Rizal-class وطائرات FA-50) يشير إلى تشكل تحالف صناعي وعسكري غير معلن، يهدف إلى خلق توازن قوى في مواجهة التمدد البحري للقوى الإقليمية الأخرى. إن هذا التعاون يقلل من اعتماد الفلبين الكلي على المساعدات العسكرية الأمريكية المستعملة، وينقلها إلى مرحلة امتلاك أسطول حديث مبني خصيصاً لاحتياجاتها السيادية.
يعزز إبحار أول سفينة من طراز Rajah Sulayman-class مكانة كوريا الجنوبية، وتحديداً شركة HD Hyundai Heavy Industries، كأحد أكبر موردي السفن الحربية في العالم. لقد نجحت سيئول في التفوق على أحواض بناء السفن الأوروبية والأمريكية من خلال تقديم معادلة (الجودة العالية + السعر التنافسي + سرعة التسليم)، وهو ما سيؤدي حتماً إلى زيادة الطلب على منصات OPV الكورية من قبل دول أخرى في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.