أخبار: الولايات المتحدة تمنع مبيعات صواريخ GMLRS لمنظومات Foudre و Thundart الفرنسية

تواجه الخطط الدفاعية الفرنسية لتحديث قدرات القصف المساحي والمدفعية الصاروخية تحدياً استراتيجياً معقداً، إثر بروز تقارير تشير إلى وضع الولايات المتحدة الأمريكية عوائق أمام تزويد باريس بصواريخ من طراز GMLRS (Guided Multiple Launch Rocket System). يأتي هذا التطور في وقت حساس تسعى فيه القوات البرية الفرنسية لتعزيز ترسانتها من خلال دمج هذه الصواريخ الدقيقة على منصات الإطلاق الوطنية الجديدة المعروفة باسم Foudre و Thundart، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول حدود الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية في ظل السعي الأوروبي نحو "السيادة الاستراتيجية".

تعتبر صواريخ GMLRS، التي تنتجها شركة Lockheed Martin، المعيار الذهبي عالمياً في الدقة الجراحية للمدفعية الصاروخية، وقد أثبتت كفاءة منقطعة النظير في النزاعات الحديثة بفضل نظام التوجيه عبر الأقمار الصناعية GPS والقصور الذاتي. كانت فرنسا تخطط لاستخدام هذه الذخائر لتسليح منظومتها المستقبلية Foudre، وهي قاذفة صواريخ بعيدة المدى، ومنظومة Thundart المطورة، لتعويض خروج منظومات LRU (Lance-Roquettes Unitaire) القديمة من الخدمة.

إن الاعتراض الأمريكي، الذي غالباً ما يتم عبر آليات ITAR (International Traffic in Arms Regulations)، يضع المخطط العسكري الفرنسي في مأزق تقني؛ حيث أن الموثوقية العالية التي تتمتع بها منتجات Lockheed Martin تجعل العثور على بديل أوروبي مكافئ وجاهز للعمل في وقت قصير أمراً بالغ الصعوبة. وتتوزع الأسباب المحتملة لهذا التعثر بين قيود سلاسل التوريد الأمريكية المشبعة بالطلبات العالمية، وبين رغبة واشنطن في الحفاظ على ميزات تقنية معينة أو ممارسة ضغوط سياسية تتعلق بملفات دفاعية مشتركة.

وفقاً للخطط المعلنة مسبقاً، كان من المفترض أن تدخل منظومات Foudre الخدمة الفعلية لتعزيز سلاح المدفعية الفرنسي بحلول نهاية العقد الحالي. إلا أن غياب الذخائر الرئيسية مثل GMLRS يعني بقاء هذه المنصات دون "أنياب" فاعلة، مما يخلق فجوة زمنية قد تمتد لسنوات. هذه الفجوة ليست مجرد تأخير إداري، بل هي نقص في القدرة على توجيه ضربات دقيقة في العمق التكتيكي، وهو ما يعد ركيزة أساسية في عقيدة القتال البري الحديثة.

يمثل هذا الحدث تجسيداً حياً للصراع الصامت بين "الاستقلال الدفاعي الأوروبي" و"الهيمنة التكنولوجية الأمريكية". بالنسبة لفرنسا، التي تقود دعوات الاستقلال العسكري لأوروبا، يعد منع صواريخ GMLRS إحراجاً استراتيجياً يؤكد أن امتلاك منصات إطلاق وطنية مثل Thundart لا يكفي لضمان حرية الحركة إذا كانت "الذخائر الذكية" خاضعة لقرار من خلف المحيط.

علاوة على ذلك، يشير هذا التطور إلى تحول في أولويات التصدير الدفاعي الأمريكي. فمع تزايد الطلب العالمي من دول حلف الناتو في شرق أوروبا ومنطقة المحيط الهادئ، يبدو أن واشنطن بدأت في استخدام "دبلوماسية الصواريخ" لترتيب أولويات حلفائها. استراتيجياً، قد يدفع هذا الضغط فرنسا نحو تسريع التعاون مع ألمانيا وبريطانيا لتطوير بديل أوروبي خالص ضمن برامج مثل E-GMLRS أو مشاريع شركة MBDA، لضمان عدم بقاء السيادة الفرنسية رهينة للموافقات من جهات خارجية.

قد يكون هذا "الفيتو" الأمريكي غير المعلن هو المحفز الأكبر لشركات مثل MBDA و Safran و Rheinmetall لتكثيف جهودها في تطوير صواريخ مدفعية موجهة لا تعتمد على مكونات خاضعة لقوانين ITAR. هذا سيخلق سوقاً موازية قوية للذخائر "الخالية من المكونات الأمريكية" (US-Component Free)، وهو توجه بدأ يكتسب زخماً في أوروبا.

كما قد يؤدي هذا التوتر إلى تسريع وتيرة المشاريع الدفاعية المشتركة داخل الاتحاد الأوروبي، مما يغير خارطة الإنفاق الدفاعي العالمي نحو مزيد من التكتلات القارية المستقلة، ويقلل من الأحادية القطبية في سوق السلاح عالي التقنية.

إن الأزمة الحالية حول صواريخ GMLRS لمنظومات Foudre و Thundart ليست مجرد مشكلة توريد، بل هي نقطة تحول قد تعيد رسم ملامح التعاون الدفاعي في القارة العجوز، وتدفع باريس نحو خيارات أكثر راديكالية لتأمين استقلالها العسكري.