أخبار: إسرائيل تستعد لاكتساب قدرة أكثر سرية على تحديد هوية المسيرات من الولايات المتحدة

في قفزة تقنية تهدف إلى حسم معضلات "النيران الصديقة" في حروب الدرونات المعقدة، كشفت تقارير تقنية عن حصول إسرائيل على تكنولوجيا أمريكية متطورة لتمييز المسيرات (Identification Friend or Foe - IFF) تعتمد على موجات ميليمترية بتردد "60 Gigahertz". تمثل هذه الخطوة تحولاً جوهرياً في كيفية إدارة الأجواء المزدحمة بالمسيرات الانتحارية والاستطلاعية، حيث تتيح للقوات البرية والجوية التعرف على طائراتها المسيرة وتوجيهها دون الكشف عن موقعها أو تعريضها للرصد من قبل أنظمة الحرب الإلكترونية المعادية.

تعتمد التقنية الجديدة، التي تقود تطويرها شركات أمريكية متخصصة مثل "Peraso Inc"، على خصائص فيزيائية فريدة لترددات الـ "60 GHz". فهذه الترددات تتميز بقدرة عالية على توجيه الإشارات بشكل ضيق للغاية (Directional Beams)، مما يجعل عملية اعتراض الإشارة أو تتبعها من زوايا جانبية أمراً شبه مستحيل. وتأتي هذه الترقية في وقت حساس تشهد فيه المنطقة صراعات تعتمد بشكل كلي على أسراب المسيرات، مما يمنح إسرائيل ميزة "التخفي الرقمي" في التواصل مع أصولها الجوية.

يكمن السر التقني في نظام "60 GHz Millimeter-wave" في استغلاله لظاهرة امتصاص الأكسجين للإشارات عند هذا التردد، مما يحد من انتشار الإشارة لمسافات طويلة غير مرغوب فيها، وهو ما يسمى تقنياً بـ "Low Probability of Intercept" (LPI). هذا يعني أن نظام التعرف "IFF" المثبت على المسيرة يمكنه إرسال كود الهوية إلى محطة التحكم أو القوات الصديقة القريبة بطاقة منخفضة جداً وبدقة متناهية، دون أن تلتقط أجهزة التنصت المعادية أي أثر لهذا البث.

بالإضافة إلى ذلك، تدمج المنظومة تقنيات "Beamforming" المتقدمة، حيث يتم توجيه حزمة البيانات مباشرة نحو المستقبل المستهدف فقط. هذا النظام يحل مشكلة كبرى كانت تواجه أنظمة "IFF" التقليدية التي تبث إشاراتها في جميع الاتجاهات (Omnidirectional)، مما كان يجعل المسيرة بمثابة "منارة لاسلكية" تسهل استهدافها. ومع دمج هذه التقنية مع أنظمة الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي، تصبح المسيرة قادرة على تمييز الوحدات الصديقة على الأرض وتلقي الأوامر بتشفير معقد ومسار إشارة غير مرئي رادارياً أو إلكترونياً.

استراتيجياً، يعزز امتلاك إسرائيل لهذه التقنية من قدرتها على تنفيذ عمليات "Deep Penetration" (التغلغل العميق) باستخدام مسيرات "Stealth" دون الخوف من كشف هويتها عبر أنظمة التتبع اللاسلكي. في بيئات القتال الحديثة، مثل الصراع الحالي مع إيران ووكلاء المنطقة، أصبحت "السيادة على الطيف الترددي" لا تقل أهمية عن السيادة الجوية. إن القدرة على تمييز الصديق من العدو في أجزاء من الثانية وبصمت إلكتروني كامل تتيح للقادة اتخاذ قرارات اشتباك سريعة وجريئة، وتمنع وقوع حوادث استهداف المسيرات الصديقة التي تزايدت في الآونة الأخيرة بسبب تشابه البصمات الرادارية للمسيرات الرخيصة.

كما أن هذا التعاون يعكس عمق الشراكة التكنولوجية بين واشنطن وتل أبيب في مواجهة التهديدات غير المتماثلة. فبينما تطور إيران مسيرات تعتمد على الملاحة الذاتية لتقليل البث الإذاعي، ترد إسرائيل والولايات المتحدة بتقنيات "اتصال شبحي" تضمن استمرار التحكم والقيادة حتى في ذروة الحرب الإلكترونية. هذا التفوق التقني يخلق حالة من الردع النوعي، حيث تصبح الدفاعات الجوية المعادية غير قادرة على التمييز بين التشويش المتعمد، المسيرات الخداعية، والمسيرات الحقيقية التي تتواصل مع مراكزها عبر قنوات "صامتة".

يفتح هذا التطور الباب أمام عصر جديد في سوق "C-UAS" (أنظمة مكافحة المسيرات) و"IFF". عالمياً، سيؤدي نجاح تقنية "60 GHz" في العمليات القتالية إلى تزايد الطلب على أنظمة الاتصالات الميليمترية في القطاع العسكري، مما قد يزيح الأنظمة التقليدية التي تعمل في نطاقات "S-band" أو "L-band" في التطبيقات القريبة والوسطى. الشركات التي تمتلك براءات اختراع في مجال "Millimeter-wave RFIC" ستصبح هي القائدة للسوق في السنوات القادمة.

من ناحية أخرى، سيضطر مطورو أنظمة الحرب الإلكترونية حول العالم إلى ابتكار أجهزة استشعار جديدة قادرة على رصد الترددات العالية جداً والضيقة، وهو تحدٍ هندسي مكلف ومعقد. كما سيعزز هذا الخبر من قيمة الشركات الناشئة في مجال "Defense Tech" التي تدمج بين تكنولوجيا الاتصالات المدنية (مثل 5G و6G) والتطبيقات العسكرية. إننا نشهد تحولاً في سوق الدفاع العالمي نحو "التسلح الرقمي الصامت"، حيث تصبح القدرة على البقاء "غير مرئي إلكترونياً" هي الميزة التنافسية الأهم التي تسعى الجيوش لاقتنائها لحماية أساطيلها غير المأهولة.