في خطوة تعكس تسارع وتيرة الاستعدادات العسكرية في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (Pentagon) عن البدء في عملية نشر واسعة النطاق لبطاريات إضافية من المنظومات الدفاعية المتطورة، شملت منظومة THAAD (Terminal High Altitude Area Defense) ومنظومات Patriot PAC-3. يأتي هذا التحرك العسكري الاستراتيجي في إطار استجابة واشنطن المباشرة لتصاعد التهديدات الإقليمية المرتبطة بالنشاط الإيراني وتزايد حدة التوتر بين طهران ووكلاءها من جهة، وبين المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة من جهة أخرى. ويعد هذا الانتشار بمثابة رسالة ردع استراتيجية تهدف إلى تحصين القواعد الأمريكية وحماية الممرات المائية الحيوية ومنشآت الطاقة التي تشكل شريان الاقتصاد العالمي.
تأتي الصفقة والتحركات الأخيرة لتعزز من الوجود الدفاعي الذي تديره (U.S. Central Command - CENTCOM). وتعد منظومة THAAD، التي تنتجها شركة Lockheed Martin، واحدة من أكثر المنظومات الدفاعية فتكاً وتطوراً في العالم؛ حيث صُممت لاعتراض الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى في مرحلتها النهائية من التحليق، سواء داخل الغلاف الجوي أو خارجه. وتتميز هذه المنظومة بقدرتها على توفير تغطية دفاعية لمساحات شاسعة، مما يجعلها حائط صد منيع ضد الترسانة الصاروخية الإيرانية المتنامية.
أما منظومة Patriot PAC-3 (Patriot Advanced Capability-3)، والتي تعد ثمرة تعاون تقني بين شركتي Lockheed Martin و Raytheon Technologies، فهي تمثل العمود الفقري للدفاع الجوي النقطي. تعتمد هذه النسخة الحديثة على تقنية (Hit-to-Kill)، حيث يقوم الصاروخ بالاصطدام المباشر بالهدف لتدميره بالكامل عبر الطاقة الحركية، بدلاً من الاعتماد على الشظايا المتفجرة. هذا التنوع في الطبقات الدفاعية بين THAAD و Patriot PAC-3 يخلق نظاماً دفاعياً متكاملاً قادراً على التعامل مع مختلف أنواع التهديدات، بدءاً من الطائرات المسيرة (UAVs) وصولاً إلى الصواريخ الباليستية والمجنحة عالية السرعة.
لا يعد نشر هذه المنظومات حدثاً معزولاً، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الشراكات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فمنذ عقود، اعتمدت دول المنطقة على تقنيات شركة Lockheed Martin و Raytheon لتأمين أجوائها. ومع مطلع عام 2026، ومع وصول التهديدات الصاروخية إلى مستويات غير مسبوقة من حيث الدقة والكثافة، اضطر صانع القرار في واشنطن إلى تسريع وتيرة النشر الدفاعي. إن تفاصيل هذا التحرك تشير إلى أن الولايات المتحدة تعيد تموضع قدراتها الدفاعية ليس فقط كإجراء احترازي، بل كجزء من خطة طوارئ شاملة لمواجهة أي هجوم صاروخي منسق قد يستهدف القواعد العسكرية في العراق أو سوريا أو دول الخليج العربي.
يمثل هذا الانتشار العسكري تحولاً نوعياً في ميزان القوى الإقليمي. استراتيجياً، تهدف واشنطن من خلال نشر THAAD و Patriot PAC-3 إلى تقويض "استراتيجية الإغراق الصاروخي" التي تعتمد عليها إيران. فمن خلال تعزيز القدرة على الاعتراض، تفقد الصواريخ الباليستية قيمتها كأداة ضغط سياسي أو عسكري. كما أن هذا التحرك يبعث برسالة طمأنة قوية للحلفاء الإقليميين، مفادها أن الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة لا يزال قائماً ومسلحاً بأحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الحروب.
علاوة على ذلك، يساهم هذا الانتشار في خلق ما يُعرف بـ "المظلة الدفاعية المتكاملة"، والتي تتطلب تنسيقاً استخباراتياً وعملياتياً عالياً بين القوات الأمريكية والقوات الحليفة. إن وجود THAAD بقدراته الرادارية الهائلة (AN/TPY-2) يوفر رؤية استراتيجية بعيدة المدى، مما يتيح رصد الانطلاقات الصاروخية من داخل العمق الإيراني فور حدوثها، وهو ما يقلص زمن الاستجابة العسكرية ويزيد من فرص النجاح في الاعتراض.