أعلنت وزارة الدفاع البلغارية عن نيتها الاستراتيجية للاستحواذ على أكثر من 100 وحدة من نظام مكافحة الطائرات المسيرة اليوناني المتطور Centauros. وتأتي هذه الصفقة المرتقبة ضمن إطار آلية الدفاع الأوروبية المشتركة، وتهدف إلى بناء مظلة حماية وطنية شاملة ضد التهديدات الجوية غير النمطية التي أصبحت تهيمن على ساحات القتال الحديثة.
يعتبر نظام Centauros، الذي طورته شركة الصناعات الجوية الهيلينية (Hellenic Aerospace Industry - HAI)، أول نظام أوروبي من نوعه يمتلك "سجلاً قتالياً معتمداً" (Combat Proven)، بعد نجاحه الباهر في تأمين الفرقاطات اليونانية المشاركة في عمليات البحر الأحمر خلال عامي 2024 و2025. وتتطلع بلغاريا من خلال هذا الاستحواذ إلى نشر هذه الأنظمة في تكوينات متعددة تشمل المواقع الثابتة لحماية البنية التحتية الحيوية، والوحدات المتنقلة لتأمين القوات البرية، مما يعزز من مرونة الجيش البلغاري في مواجهة أسراب الدرونات (Drone Swarms).
يتميز نظام Centauros بقدرات رصد وتتبع استثنائية تعتمد على نظام رادار نشط متطور يصل مداه إلى 40 كيلومتراً، بالإضافة إلى قدرة استشعار سلبية (Passive Detection) يمكنها رصد الأهداف على مسافات تصل إلى 150 كيلومتراً دون الكشف عن موقع النظام. وتعتمد العقيدة التشغيلية للنظام على "القتل الإلكتروني" (Soft Kill) عبر التشويش الذكي المركز على ترددات التحكم والملاحة الخاصة بالدرونات، مما يؤدي إلى تحييدها أو إجبارها على الهبوط قبل وصولها إلى هدفها.
وتشير التقارير إلى أن النسخة التي ستحصل عليها بلغاريا ستتضمن تحديثات عام 2026 التي تشمل خاصية "الضربة الصلبة" (Hard Strike) كوسيلة دفاع نهائية، وهي تقنية حركية تستخدم لاعتراض الأهداف في حال فشل التدابير الإلكترونية المضادة. هذا التنوع في خيارات التصدي يجعل من Centauros حلاً متكاملاً يجمع بين التوفير الاقتصادي (عبر عدم استهلاك صواريخ باهظة الثمن) والفعالية التدميرية عند الضرورة القصوى.
تمثل هذه الصفقة دلالة استراتيجية كبرى على مستوى أمن منطقة شرق أوروبا والبلقان؛ فهي تشير إلى ولادة "محور دفاعي تقني" جديد يضم اليونان وبلغاريا وقبرص، يهدف إلى تقليل الاعتماد على الأنظمة الدفاعية المستوردة من خارج القارة. استراتيجياً، يساهم نشر نظام Centauros في بلغاريا في سد الفجوات الأمنية في الجناح الشرقي للناتو، خاصة في ظل التوترات المتزايدة في منطقة البحر الأسود وتزايد استخدام الذخائر المتسكعة (Loitering Munitions) في النزاعات الإقليمية.
علاوة على ذلك، فإن اختيار صوفيا للمنتج اليوناني يعزز من مفهوم "السيادة الدفاعية الأوروبية"؛ حيث تبرهن دول البلقان على قدرتها على تبادل التكنولوجيا المتقدمة فيما بينها، مما يخلق شبكة إنذار مبكر ودفاع جوي متوافقة عملياتياً (Interoperable). إن هذا التعاون يبعث برسالة واضحة حول قدرة الصناعات الدفاعية المتوسطة في أوروبا على منافسة العمالقة الدوليين عبر تقديم حلول متخصصة ومجربة ميدانياً في ظروف قتالية حقيقية.
يضع نجاح نظام Centauros اليونان كلاعب صاعد بقوة في قطاع أنظمة (C-UAS). إن توجه بلغاريا نحو هذا النظام سيفتح الأبواب أمام دول أوروبية أخرى تسعى لتحديث ترساناتها الدفاعية بوسائل غير تقليدية وأقل تكلفة من الصواريخ الاعتراضية الكلاسيكية.
ستشهد شركة Hellenic Aerospace Industry (HAI) طفرة في الطلب العالمي، مما قد يدفعها لتوسيع خطوط إنتاجها أو الدخول في شراكات لتصنيع أجزاء من النظام في دول أخرى. كما أن هذا النجاح سيحفز المنافسة في سوق "أنظمة الدفاع الجوي منخفضة التكلفة"، حيث تبحث الجيوش العالمية الآن عن ميزان دقيق بين "التكلفة لكل اعتراض" والفعالية التقنية. ومن المتوقع أن يؤدي هذا العقد إلى تحول في استراتيجيات التسويق لشركات الدفاع الكبرى، التي باتت تدرك أن "الخبرة القتالية الفعلية" (Combat-proven status) أصبحت المعيار الأول للمفاضلة بين الأنظمة الدفاعية في العصر الرقمي.