في استجابة حاسمة للتهديدات المتزايدة التي تفرضها أسراب الطائرات المسيرة في الجناح الشرقي لحلف الناتو، وقعت الحكومة البولندية عقداً تاريخياً لتطوير ونشر منظومة San (المعروفة سابقاً باسم مشروع Jastrząb)، وهي منظومة دفاعية متكاملة مخصصة لمكافحة الأنظمة الجوية غير المأهولة (Counter-UAS). تبلغ قيمة هذه الصفقة الإجمالية نحو 15 مليار زلوتي بولندي (ما يعادل 4.2 مليار دولار أمريكي)، مما يجعلها واحدة من أضخم الاستثمارات القارية في تقنيات الدفاع ضد الدرونات، وخطوة محورية ضمن برنامج "الدرع الشرقي" (Tarcza Wschód) الذي تتبناه بولندا لحماية حدودها.
تُعد منظومة San ثمرة تعاون استراتيجي واسع النطاق يقوده العملاق الوطني البولندي Polska Grupa Zbrojeniowa (PGZ) بالتحالف مع شركة Kongsberg Defence & Aerospace النرويجية، وبمشاركة تقنية محورية من الشركة البولندية الخاصة Advanced Protection Systems (APS). وبحسب بنود العقد، سيشمل البرنامج تسليم 18 بطارية مضادة للدرونات، تضم 52 فصيلة نيران، و18 فصيلة قيادة، مدعومة بأسطول ضخم يصل إلى 703 مركبات عسكرية، منها 400 شاحنة من طراز Jelcz و300 مركبة استطلاع خفيفة من طراز Legwan.
تعتمد المنظومة في قوتها الضاربة على منصات الأسلحة التي يتم التحكم فيها عن بعد من فئة Kongsberg PROTECTOR، والتي تدمج مجموعة متنوعة من أدوات التحييد (Effectors)، تشمل مدافع عيار 35 ملم و30 ملم و12.7 ملم، بالإضافة إلى صواريخ موجهة بقطر 70 ملم من طراز APKWS. وما يميز San هو "العقل الرقمي" الذي طورته شركة APS، والذي يعتمد على رادارات FIELDctrl ثلاثية الأبعاد القادرة على رصد وتصنيف الأهداف الصغيرة والبطيئة والمنخفضة (LSS) بدقة متناهية، والتمييز بين الطائرات المعادية والطيور باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مما يوفر حماية متعددة الطبقات ضد الهجمات الانتحارية وأسراب "كاميكازي".
من الناحية الاستراتيجية، يمثل مشروع San تحولاً في مفهوم الدفاع الجوي البولندي من التركيز التقليدي على الطائرات والصواريخ البالستية إلى مواجهة "الديمقراطية في التسلح" التي وفرتها المسيرات الرخيصة. وارسو تدرك أن التهديد الذي تعرضت له حدودها في سبتمبر 2025، عندما اخترقت عشرات المسيرات الروسية مجالها الجوي، يتطلب حلاً لا يعتمد على الصواريخ الباهظة مثل Patriot، بل على منظومة مستدامة اقتصادياً وعالية الكثافة نيرانياً.
إن وضع هذه المنظومة في منطقة "بودلاسكي" (Podlasie) الشرقية يعزز من قدرة بولندا على فرض منطقة "حظر طيران للمسيرات" على طول حدودها مع بيلاروسيا وكالينينغراد. استراتيجياً، تضع بولندا نفسها كنموذج رائد داخل الناتو في مجال "الدفاع الجوي القريب جداً" (VSHORAD)، حيث تعمل منظومة San كطبقة رابعة مكملة لمنظومات Wisła (بعيدة المدى) وNarew (متوسطة المدى) وPilica+ (قصيرة المدى)، مما يخلق شبكة دفاعية غير قابلة للاختراق تعرف بـ "جدار النار الرقمي".
عالمياً، تضخ هذه الصفقة دماءً جديدة في سوق أنظمة C-UAS الذي من المتوقع أن يصل حجمه إلى 26 مليار دولار بحلول عام 2034. وباعتماد بولندا على تحالف يجمع بين القطاع العام (PGZ) والقطاع الخاص المبتكر (APS) والشريك الدولي (Kongsberg)، فإنها ترسم خارطة طريق جديدة للاستقلال الدفاعي الأوروبي.
استثمار Kongsberg في زيادة قدراتها التصنيعية داخل بولندا يؤكد تحول الأخيرة إلى "مركز امتياز" للابتكار الدفاعي في أوروبا الوسطى. إن نجاح هذا النظام سيعزز من فرص تصديره لدول البلطيق ودول الشمال الأوروبي التي تواجه تحديات أمنية مماثلة، مما يجعل من منظومة San المعيار الذهبي القادم لحماية السيادة الجوية في عصر الحروب المسيرة.