في تحول جذري يعكس الرغبة في التحرر من قيود سلاسل الإمداد الغربية وتكاليف الصيانة الباهظة، كشفت مصادر عسكرية رفيعة عن قطع بغداد شوطاً متقدماً في مفاوضاتها مع إسلام آباد للحصول على مقاتلات JF-17 Thunder المتطورة. جاء هذا الإعلان عقب زيارة رسمية قام بها قائد القوات الجوية الباكستانية (Pakistan Air Force)، المشير "ظهير أحمد بابر سيدو"، إلى مقر قيادة القوة الجوية العراقية (Iraqi Air Force)، حيث التقى نظيره العراقي الفريق الركن الطيار "مهند غالب محمد رضي الأسدي". وتضع هذه الخطوة العراق على أعتاب تغيير استراتيجي في هوية أسطوله الجوي، بحثاً عن "السيادة التقنية" والاستقلالية العملياتية بعيداً عن التعقيدات التي شابت تشغيل مقاتلات F-16IQ الأمريكية في السنوات الأخيرة.
تتمحور المحادثات الحالية حول اقتناء العراق لعدد 12 طائرة من طراز JF-17 Thunder Block III، وهي النسخة الأحدث والأكثر فتكاً من هذه المقاتلة متعددة المهام التي تم تطويرها بالتعاون بين Pakistan Aeronautical Complex وشركة Chengdu الصينية. وتقدر القيمة الإجمالية لهذه الحزمة الدفاعية بنحو 664 مليون دولار أمريكي، لتشمل ليس فقط المقاتلات، بل وأيضاً طائرات التدريب من طراز Super Mushshak، بالإضافة إلى حزمة متكاملة من الدعم اللوجستي، قطع الغيار، وبرامج تدريب الطيارين والمهندسين العراقيين في باكستان.
ما يميز النسخة Block III التي يسعى العراق لاقتنائها هو تزويدها برادار المصفوفة النشطة الممسوحة إلكترونياً (AESA Radar)، وأنظمة حرب إلكترونية متقدمة، فضلاً عن قدرتها على حمل صواريخ PL-15 الجوية بعيدة المدى. ويرى الخبراء العراقيون في هذه المقاتلة بديلاً "أكثر استدامة" لمقاتلات F-16IQ التي عانت من مشاكل متكررة في الصيانة ونقص قطع الغيار، بالإضافة إلى الشروط السياسية والتقنية الصارمة التي تفرضها واشنطن على استخدام الأسلحة والمعدات الحساسة المرتبطة بها.
استراتيجياً، يمثل التوجه العراقي نحو JF-17 Thunder رسالة واضحة بإعادة تقييم الشراكات الدفاعية. فمنذ العام 2011، اعتمد العراق بشكل شبه كلي على الولايات المتحدة لتشكيل ذراعه الجوية الضاربة، إلا أن الواقع العملياتي أثبت أن التكاليف التشغيلية العالية لمركبات Lockheed Martin، والقيود المفروضة على نقل التكنولوجيا، جعلت من الصعب على بغداد الحفاظ على جاهزية أسطولها في مواجهة التهديدات الإرهابية المستمرة.
إن اختيار المنصة الباكستانية-الصينية يعكس رغبة بغداد في تبني استراتيجية "تعدد مصادر السلاح" التي تمنح القائد العسكري مرونة أكبر في إدارة المعارك دون خوف من توقف الدعم اللوجستي المفاجئ. كما أن دلالة هذا التعاون مع باكستان تكمن في الجانب العقائدي والتدريبي؛ فالعراق يسعى للاستفادة من الخبرة القتالية الطويلة للقوات الجوية الباكستانية في حرب العصابات ومكافحة التمرد، وهي خبرات تتطابق مع احتياجات الجيش العراقي في ملاحقة فلول التنظيمات المسلحة في المناطق الوعرة.
على المستوى العالمي، يعد العقد العراقي المحتمل انتصاراً كبيراً لبرنامج JF-17، الذي بدأ يفرض نفسه كخيار أول للدول ذات الميزانيات الدفاعية المتوسطة التي تبحث عن أداء يضاهي الجيل الرابع بأسعار الجيل الثالث. هذا النجاح يضع ضغوطاً حقيقية على مبيعات الطائرات الأمريكية المستعملة أو الخفيفة مثل F-16 وT-50 الكورية، حيث أثبتت JF-17 كفاءة عالية في الربط بين السعر والقدرة القتالية.