أخبار: كندا تتسلم أول هليكوبتر H135 ضمن برنامج FAcT لتحديث تدريب أطقمها الجوية

تسلمت القوات الجوية الملكية الكندية أول مروحية Airbus H135 ضمن برنامج Future Aircrew Training (FAcT)، في خطوة تمثل محطة رئيسية في مسار تحديث منظومة تدريب الطيارين وأطقم الطيران العسكرية الكندية، ضمن مشروع يمتد لـ25 عاماً وتبلغ قيمته 11.2 مليار دولار كندي.

مع احتدام المنافسة العالمية على تطوير القدرات الجوية العسكرية ورفع كفاءة الأطقم البشرية، تسلمت كندا أول مروحية من طراز Airbus H135 المخصصة لبرنامج Future Aircrew Training (FAcT)، وهو المشروع الذي يمثل حجر الزاوية في عملية إعادة هيكلة منظومة تدريب الطيران العسكري التابعة للقوات الجوية الملكية الكندية. ويأتي هذا التسليم بعد أقل من عامين على إطلاق البرنامج، ليؤكد تقدم أوتاوا في تنفيذ واحدة من أكبر مبادرات تحديث التدريب العسكري في تاريخها الحديث.

المروحية الجديدة دخلت الخدمة تحت التسمية العسكرية CT-153 Juno، وستتولى تدريب الأجيال المقبلة من الطيارين العسكريين الكنديين على العمليات الأساسية والمتقدمة للمروحيات. وتعد هذه الطائرة جزءاً من عقد يشمل 19 مروحية H135 تم التعاقد عليها في نوفمبر 2024 بين شركة Airbus وشركة SkyAlyne، المتعاقد الرئيسي المسؤول عن إدارة وتنفيذ برنامج FAcT. ومن المقرر أن تستمر عمليات التسليم التدريجية لبقية المروحيات حتى عام 2028.

وتتميز CT-153 Juno بمحركين وتستفيد من منظومة Airbus Helionix الرقمية المتقدمة لإدارة الطيران، وهي حزمة إلكترونيات طيران حديثة توفر بيئة تدريبية قريبة إلى حد كبير من تلك الموجودة في المنصات العسكرية العاملة على الخطوط الأمامية. وستستخدم المروحية في مراحل التدريب الأولي للطيارين، بالإضافة إلى تدريبات الطيران بالأجهزة وفق قواعد Instrument Flight Rules، وكذلك التدريب التكتيكي المتقدم الذي يؤهل المتدربين للانتقال إلى منصات أكثر تعقيداً وقدرة.

ووفق الخطة الكندية، ستتمركز المروحيات الجديدة في قاعدة 15 Wing Southport التابعة لمدرسة الطيران العسكرية الثالثة للقوات الكندية، والتي تعد إحدى أهم مؤسسات إعداد الطيارين العسكريين في البلاد. ويُنتظر أن تشكل هذه المروحيات العمود الفقري لتدريب الطيارين العاملين على المروحيات خلال العقود المقبلة، بما يضمن توحيد معايير التدريب ورفع كفاءة الأطقم الجوية في مختلف فروع القوات المسلحة الكندية.

ويأتي هذا الإنجاز ضمن مشروع أوسع نطاقاً أطلقته الحكومة الكندية لإعادة بناء منظومة التدريب الجوي بالكامل. ففي يوليو 2023 اختارت أوتاوا شركة SkyAlyne، وهي مشروع مشترك بين CAE وKF Aerospace، لإدارة البرنامج، قبل أن تمنحها في مايو 2024 عقداً ضخماً تصل قيمته إلى 11.2 مليار دولار كندي يمتد لمدة 25 عاماً. ويهدف البرنامج إلى استبدال البنية التدريبية الحالية التي تعتمد على عقود قديمة تقترب من نهايتها، إضافة إلى تحديث برامج إعداد ضباط أنظمة القتال الجوي ومشغلي المستشعرات الجوية الإلكترونية.

ولا تقتصر عملية التحديث على المروحيات فقط، بل تشمل اقتناء أكثر من 70 طائرة تدريب موزعة على خمس فئات مختلفة تضم مروحيات Airbus H135 وطائرات Grob G 120TP وطائرات Pilatus PC-21 وطائرات Beechcraft King Air 260 متعددة المهام إلى جانب طائرات De Havilland Dash 8-400 المخصصة لأدوار التدريب المتقدم. ويعكس هذا التنوع توجهاً كندياً نحو إنشاء منظومة تدريب متكاملة قادرة على إعداد الأطقم الجوية لمختلف أنواع المهام العسكرية الحديثة.

وتحظى مروحيات H135 بسجل عالمي واسع في مجال التدريب العسكري، إذ جرى تسليم أكثر من 1600 مروحية من هذه العائلة إلى مئات المشغلين حول العالم، بينما تستخدم أكثر من 12 قوة عسكرية هذا الطراز في برامج إعداد الطيارين العسكريين. كما تجاوزت ساعات الطيران الخاصة بالمروحيات المخصصة للتدريب العسكري من هذه الفئة 650 ألف ساعة، ما يمنحها مكانة راسخة كإحدى أكثر المنصات التدريبية نجاحاً واعتمادية في العالم.

استراتيجياً، يعكس تسلم أول مروحية CT-153 Juno تحولاً مهماً في طريقة تعامل كندا مع قضية الجاهزية البشرية للقوات الجوية. فخلال السنوات الماضية ركزت أوتاوا بصورة كبيرة على تحديث منصاتها القتالية من خلال برامج ضخمة شملت مقاتلات F-35A وطائرات P-8A ومنظومات الاستطلاع والمراقبة الحديثة، إلا أن نجاح هذه الاستثمارات يتوقف في النهاية على وجود أطقم جوية قادرة على تشغيلها بكفاءة عالية. ومن هنا تأتي أهمية برنامج FAcT باعتباره استثماراً طويل الأمد في العنصر البشري وليس في المعدات فقط.

كما أن اختيار H135 يحمل أبعاداً صناعية واضحة، إذ يعزز حضور Airbus داخل سوق التدريب العسكري في أمريكا الشمالية، وهي سوق ظلت تقليدياً أكثر انفتاحاً على الشركات الأمريكية. ويمنح العقد الشركة الأوروبية موطئ قدم طويل الأمد داخل منظومة التدريب الكندية، خاصة مع اعتماد عمليات التخصيص والتجهيز والتسليم على منشآت Airbus داخل كندا، الأمر الذي يدعم سلاسل الإمداد المحلية ويعزز المحتوى الصناعي الوطني المرتبط بالمشروع.

وعلى المستوى الدولي، يسلط البرنامج الضوء على توجه متزايد بين الجيوش الغربية نحو تحديث أنظمة التدريب قبل ظهور فجوات في الكوادر البشرية. فالتطور السريع في إلكترونيات الطيران والأنظمة الشبكية والمستشعرات المتقدمة يجعل من الضروري توفير منصات تدريب قادرة على محاكاة بيئات التشغيل الحديثة منذ المراحل الأولى من إعداد الطيارين. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى H135 باعتبارها مجرد مروحية تدريب، بل كحلقة أساسية في سلسلة بناء القدرات الجوية المستقبلية للقوات المسلحة الكندية.

ومع استمرار تسليم الدفعات المتبقية حتى عام 2028، يبدو أن برنامج FAcT مرشح لأن يصبح أحد أكبر مشاريع التدريب العسكري المتكامل في دول حلف شمال الأطلسي، وأن يشكل نموذجاً يحتذى به للدول التي تسعى إلى مواءمة برامج إعداد الطيارين مع متطلبات الحروب الجوية الحديثة والبيئات العملياتية المعقدة التي تتطلب مستويات غير مسبوقة من المهارة والتكامل التكنولوجي.